النداهة
بمحاذة النيل يسير ماداً الخطي.صوت ملائكي عذب يتسلل إليه،يبدأ كهمسات حانية، لا يلبث أن يطغي علي حفيف الأشجار ،زقزقة العصافير،يملك عليه كل كيانه.
يدور حول نفسه, يهم بالعدو في الاتجاه المعاكس.
الصوت يزداد عذوبةً وارتفاعاً. كالمخدر يسير نحو مصدره. في منتصف النيل يري قصراً ماسياً, يتلألأ تحت شمس المغيب الناعمة.
يخترق الماء بملابسه كاملة. يسبح نحو القصر.
يخرج من الماء أمام باب القصر مباشرةً. يجد في استقباله فتاتين رأي فيهما أبهي من أنجبتهن الأرض, تقتادانه إلي الداخل. عيناه تجول في كل شئٍ من حوله.
تنزعان عنه ملابسه. تلبسانه سترة ذهبية محلاة بالجواهر والألماس. تعطرانه بروائح فردوسية.
تدخلانه إلي حجرةٍ أكثر فخامة, تتركانه بمفرده.
يستشعر اقتراب الصوت الشديد العذوبة منه. يُفتح الباب لتمثل أمام عينيه أجمل حور الجنة. تقترب منه. يهتز قلبه في صدره. تغني له كقيثارة مشدودة الأوتار.
تمسح علي رأسه. تتركه دون ارتواء وتبتعد. يهم بملاحقتها. تشير إليه أن يثبت مكانه.
- يكفي هذا الآن. ستمكث معنا يومين... بعدها سندبر للقاءات كثيرة...تترك فيها دنياك القبيحة لتأتي إلي واحتك المحببة...تعالي إليًٌ وامنحني قبلة.
ينهض مترنحاً كمخمور. عيناه مثبتتان علي جيدها. شفتاه تلتهمانها قبل أن تصل إليها.
يتعالى وقع خطواتٍ قوي. بيديها تعوق تقدم شفتيه. تتركه يتلظى بنيران الوصل والهجران. تتجه نحو باب الخروج.
- لا تتحرك من هذه الحجرة. لا تنظر نحو القاعة الكبرى... متي فعلت سيستحيل النيل حوضاً من حمم, سينهار القصر, سألقي مصرعي, وستعود إلي ما كنت فيه من شقاء.
ضجيج غريب يطرق أذنيه. في فضول يتحرك نحو الباب ببطء. يستمع إلي أصواتٍ متداخلة لشجار. يلصق أذنه بالباب.
تحت تأثير الفضول يفتح الباب قليلاً. قرر ألا ينظر بعينيه إلي ما يحدث, سيكتفي بأذنٍ متسللة.
- إذاً فأنت تجترئ علي رفضي....
- لا يوجد عاقل علي ظهر الأرض قادر علي رفض عرضك...لكن كما أخبرتك, لقد كنت أمد الخطي...سأتم طريقي وأعود إليك.
- من حظي بلقائي لا يفكر في أي شئ إلاي...حتى عندما أغادره لبعض الوقت...يبقي طوال ذلك الوقت شاخصاً ببصره نحو النيل, منتظراً ظهور القصر من جديد...
صرخة رعب وفزع هائلين تجتاحه. جسده ينتفض. عيناه تتحولان رغماً عنه نحو فرجة الباب. يلمح رجلاً في نفس عمره, وقد أمسكت به من رقبته امرأة شديدة القبح, عيناها كرتان من لهب, شعرها شوك مشرع.
ترفعه كدميةٍ خفيفة الوزن. ينتفض محاولاً التخلص منها. عيناه تجحظان, وجهه بلون الدم. تدفع به إلي حوضٍ ملئٍ بالماء. تحافظ علي رأسه تحت سطح الماء.
يغلق الباب بيدين متصلبتين. يتسلل علي أطراف أصابعه إلي الكرسي الذي كان يجلس عليه. يبلع لعابه في صعوبة.
تعود إليه شديدة البهاء, تقترب منه, تمسح بيدها علي رأسه, تهم بتقبيله.
يكتم أنفاسه, يحاول أن يبادل فعلها بفعل.
تبتعد عنه.
- لماذا سمحت لعينيك بالتجسس عليًٌ؟.
- التجسس عليك؟!...ما الذي تقولينه؟!
تقترب منه. ينكمش في جلسته. تميل علي أذنه، تهمس فيها:
- علي احدي ضفاف النيل, ستقضي باقي عمرك كنخلةٍ عمياء, صماء, بكماء, تحاول أن تهتز في عنف بائحةً بالسر – كلما انطلقت الرياح حاملةً صوتي – لكن بلا جدوى.
الله..حلوه يا اوزير اوى..افضل ما فيها حكمتها المختبأه.