Full Version : الحلم الذي لم يفسره يوسف
mounirian >>كشك القصص القصيرة >>الحلم الذي لم يفسره يوسف


<< Prev | Next >>

أوزير- 12-08-2005
الحلم الذي لم يفسره يوسف
الشيخ الجالس أمامي يُعَدِل من جلسته، تتوقف يده عن تمرير حبات المسبحة، فمه عن التمتمة بالتسابيح.يشملني بنظرةٍ فاحصة
كنت قد أمضيت أشهراً طويلة في البحث عنه.دخلت هذه الزاوية الصغيرة مصادفةً، فوجئت به جالساً في أحد الأركان.أقترب منه ببطء، أجلس أمامه.يمضي بعض الوقت قبل أن يرفع عينيه نحوي.يبتسم لي, وهو يخبط علي ركبتي. يلمح في عينيٌَ تساؤلاتٍ كثيرة، يهز رأسه في تفهم، إشاراته تدعوني للحديث.
- شفت حلم جديد.
تلتمع عيناه.
أجد نفسي وسط جمعٍ هائل من البشر. أسير معهم في طريقٍ طويل مظلم، وغير ممهد، عن يميننا جبل ضخم. أتوقف لوهلة عن السير. تظهر علي وجهي دلائل التفكير والحيرة الشديدين. أقصد الجبل, أتسلقه، يضيق صدري كلما ارتفعت، رغم ذلك أجدني مدفوعاً بقوةٍ داخلية خفية لاستكمال الصعود. أصل للقمة, أنظر لتيارات البشر المتدافعة عند سفح الجبل. رغم المجهود العنيف الذي أبذله للحصول علي شهقات_لا ترضخ لي في سهولة_ أقرأ علي وجهي راحةً لم أعايشها من قبل. أهبط الجبل مسرعاً, يداخلني يقين بأن اكتمال النشوة في الالتحام مع صفوف البشر الطويلة.
لا أكاد أغادر الجبل حتى يختفي من أمام عينيْ، مكانه ينتصب فراغ لا نهائي. أندفع مع الناس في نفس الطريق الطويل والغير ممهد.
لا أكاد أفرغ من رواية الحلم، حتى عاجلني الشيخ بسؤاله:
- سيدنا يوسف ظهر لك بعد الحلم برده؟!
- نفس اللي كان بيحصل مع الحلم اللي فات. بعد الحلم بحلم إني صحيت, ألاقي سيدنا يوسف قدامي, بيشاور ناحية قلبي مرة والثانية...بعد كده بيسيبني ويمشي من غير ما يفسر الحلم.
أصدقائي يحدثونني عن شيخٍ اعتاد تفسير الأحلام. سردوا علي مسامعي كل أوصافه. أسألهم" أين أجده ؟". لا أحظي بجوابٍ شافٍ. أخبروني أني سأعثر عليه في بيوت الله.
أصطدم بكتف أحدهم، وأنا سائر بجوار أحد المساجد. أنظر إلي وجهه، شئ ما فيه يؤكد لي أنه الشيخ بغيتي. لا أكاد أقص عليه حلمي حتى سألني:
- يا تري بيظهر لك نبي الله يوسف بعد الحلم؟
أحدق فيه في عجب.يعيد علي مسامعي نفس السؤال.
- بعد الحلم دائماً بحلم إن فيه شاب أخذ من الجمال اللي ما أخذوش أي بني آدم...فيه صوت جوايا بيقول إن ده نبي الله يوسف....أسأله يفسر لي الحلم، لكنه ما بيفسروش...دائماً بيشاور علي قلبي مرتين...بعدين بيسبني ويمشي.
- وعاوزني أفسر لك اللي مارديش سيدنا يوسف إنه يفسره...عموماً أنا هاسعدك ..سيدنا يوسف لما بيشاور علي قلبك بيقول إن التفسير جواك، وانك هاتوصله بالتفكير.
- طب وليه بيشاور مرتين؟
- اللي أقدر أقوله لك...إنك مادام شوفت سيدنا يوسف في الحلم, يبقي إنت تشبهه...اقرأ قصته من جديد.
اعتاد الحلم أن يطرق بابي كل ليلة. أري وكأنني أطفو علي سطح بحرٍ واسع, تضمني مياه دافئة. عيناي مغمضتان. أجاهد كي أفتحهما في مواجهة شمسٍ عابثة, تداعبني بأشعتها المسلطة. أضرب الماء بذراعيٌ ورجليٌ في عنف، أقلب نفسي في الماء، يبدو وكأنني أبحث عن شئٍ ما. حركة ذراعيٌ ورجليٌ تزداد عنفاً، تدفعني للسباحة في دوائر، تتكون حولي دوامة توشك أن تبتلعني. أجاهد المياه. رغم أن حركتي أصبحت في اتجاه معاكس لحركة الماء, إلا أنني لازلت راضخاً لسطوته, منقاداً لتياره. فرع نبات_يحمله طائران بهيان بين منقاريهما_أجده أمامي. كان الفرع أمامي طوال الوقت, لكنني لم أكن أراه. أمسك به. يحملني الطائران بعيداً عن الدوامة. لا أكاد أصل إلي المياه الآمنة، حتى أترك الفرع. أطفو علي سطح الماء. أتنازل عن كل محاولاتي البحثية.أكتفي بالاستمتاع بمياهٍ دافئة, وشمسٍ هادئة، وعينين مفتوحتين.
في احدي جلساتي مع الشيخ يسألني:
- يا تري سيدنا يوسف كان عارف معني الحلم اللي جاله بإنه شاف حداشر كوكب والشمس والقمر بيسجدوا له.
أنظر نحوه في بلاهة.
- لو كان يعرف ماكانش حكاه لأبوه سيدنا يعقوب...والدليل علي إن التفسير كان سهل ،إن سيدنا يعقوب نصحه ما يقولش لاخواته علشان ما يحقدوش عليه..انت عارف، التفسير قدام عنيك لكنك مش شايفه...فكر انت ايه اللي شاغلك دلوقتي وهتلاقي ده بيبين حاجات كثير.
أهم بأن أخبره عما يشغل عقلي, عما أعانيه من حيرة.يشير إليْ بأن ألتزم الصمت.
قلبي ينبض داخل صدري مثل كل الأحياء, أتساءل عن معني هذه النبضات.
- انت عارف يا سيدنا الشيخ، إني قريت في مرة_مش عارف فين بالضبط_إن فيه اعتقاد عند بعض اللي بيؤمنوا بتناسخ الأرواح...إن الإنسان بيعيش مرة واثنين وثلاثة....في كل مرة بيلبس شكل وجسم مختلف...لغاية لما بيعرف المعني الحقيقي للحياة، وإزاي يعيش فيها سعيد...بعدها بيموت ومابيرجعش، لأنه مش محتاج يرجع.
- مش مهم إنت قريت إيه, المهم هتوصل لإيه.
- طب, هو ليه بعد التدوير والنجاة بسيب اللي لقيته وبنزل البحر ثاني وانتهي للنقطة اللي عندها ابتديت.
عندما كنت صغيراً, استمتعت كثيراً بقصص الأنبياء, يقصها عليْ والدي, وقد جلست وإخوتي في حلقةٍ من حوله.استمعت إلي قصة نبي الله يوسف عشرات المرات.أعاود قراءتها بعد أن حلمت حلمي الثاني.
لقد ملكه الله أسرار الأحلام. فسر حلميْ كبير سقاة وكبير طباخي ملك مصر. تنبأ للأول بعفو الملك ورأي الثاني وهو يتدلى من حبلٍ يلتف حول عنقه.رغم ذلك عجز عن تفسير حلم صغره, حلمه الأول.
يومض الشبه الذي بيني وبينه كومض البرق. أدرك سبب إشارة نبي الله يوسف إلي قلبي مرتين. إن حلمي الثاني يحمل تفسير حلمي الأول, تماماً كما حمل حلم ملك مصر تفسير حلم نبي الله يوسف الأول. لقد فتح له تفسير حلم ملك مصر الطريق إلي تولي شئون مصر, إلي سجود الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً بين يديه, إلي إدراك المعني الخفي وراء كل ما حدث له منذ ألقي في البئر.
- سيدنا يوسف كان بيشاور لقلبي مرتين, علشان يقولي إن فيه حلم ثاني هيفسر لي الحلم الأولاني.
يبتسم في جذل وتأييد. ملامحه تشجعني علي المضي قدماً في الحديث.
أحاول تسلق الجبل، النظر إلي نفسي وإلي الناس من علٍ، استشراف ما يسعى إليه الجميع.
التفكير يضنيني.رغم ذلك أواصل الصعود. النظرة العلوية تجعلني أشبه بإله. بعض ما أراه يملأ قلبي بالنشوة، بعضه الآخر يغتال براءتي.
أعود إلي تيار البشر. أقفز إلي البحر. الصورة التي حصلت عليها لا أستحضرها أمام عينيْ, أحتفظ بها في عمقٍ سحيق من لا وعيي.لا أفعل شيئاً سوي الاستمتاع بالمياه الهادئة والشمس العابثة.
- ما قولتليش.... إيه بقي تفسير الحلم إلي وصلت له؟
- يعني ما كنتش تعرفه من الأول ‍؟؟‍
- قول بس.... إنت وصلت لإيه .
أتركه وأنصرف , مستمتعاً بالحيرة الشديدة المرتسمة على وجهه ,والتي رسمها على وجهي عشرات المرات من قبل .





shadykov- 02-25-2007
QUOTE (أوزير @ December 08, 2005 08:17 pm)
أحاول تسلق الجبل، النظر إلي نفسي وإلي الناس من علٍ، استشراف ما يسعى إليه الجميع.
التفكير يضنيني.رغم ذلك أواصل الصعود. النظرة العلوية تجعلني أشبه بإله. بعض ما أراه يملأ قلبي بالنشوة، بعضه الآخر يغتال براءتي.
أعود إلي تيار البشر. أقفز إلي البحر. الصورة التي حصلت عليها لا أستحضرها أمام عينيْ, أحتفظ بها في عمقٍ سحيق من لا وعيي.لا أفعل شيئاً سوي الاستمتاع بالمياه الهادئة والشمس العابثة.

انا غرقت في السطرين تلاتة دول

Free Forum Hosting by Forumer.comTM!