Full Version : بين يدي الخضر
mounirian >>كشك القصص القصيرة >>بين يدي الخضر


<< Prev | Next >>

أوزير- 12-08-2005
بين يدي الخضر
_1_
فجأة انقطعت كل الأحاديث، تعلقت الأنظار بعينيه الناعستين، كان الشيخ راضي قد جلس كعادته وسط حلقة الأصدقاء، انفصل عن دنياهم المحدودة، لم يشعروا بذلك الانفصال إلا عندما وُجه إليه الحديث فلم يجدوا مجيباً
العيون تتلاقي فيما بينها، بالتأكيد انطلق إلي عالمه الأثيري، الكل يخشى أن يحرك ساكناً، لن يلبث أن يعود حتى يخبر بكل شيء، العيون تعود للتحديق في وجهه، ترتسم علي شفتيه ابتسامةً صافية، الوضاءة في وجهه تزداد، البشر تنطق به قسماته، يودون جميعاً لو تشبثوا بروحه قبل انطلاقها، لو طافوا معها الأرضين والسماوات العلا.
ينتاب جسد الشيخ راضي رعدةً مفاجأة، الزبد يطفح من فمه، تلتمع العيون مع انفتاح عينيه، الضعف البادي عليه يمنعهم من طرح عشرات الأسئلة، ينهض جابر من بينهم، يتجه نحو الشيخ راضي، ينحني بجذعه أمامه، يلقي بذراع الشيخ علي كتفه، يساعده علي النهوض، يسيران متجاورين وقد ألقي الشيخ بثقله علي جابر، بقيامهما انفضت الحلقة، تفرقوا جماعات صارت في اتجاهات مختلفة، بعضهم تبع جابر والشيخ، الأحاديث تناثرت فيما بينهم حول ما حدث، أجمعوا علي أن شيخهم _بالتأكيد_ قد التقي الخضر لمرةٍ أخري، ينتابهم فضولٌ عظيم عما أخبر به الخضر.
يدخل جابر والشيخ إلي مسكن الأخير، لا يلبث جابر أن يخرج، يهتف بالمتحلقين حول البيت:
- انتم مش شايفين الشيخ تعبان إزاي ؟!!.
- أصل كنا موصيينه يسألنا الخضر عن حاجات كده.
صوت الشيخ يأتي ضعيفاً من الداخل:
- يا جابر خليهم يدخلوا.... ما حدش يترد من علي بابي أبداً.
- بس إنت تعبان قوي النهاردة خصوصاً إن اللقاء طول.
يجيبه بصوتٍ أكثر وهناً:
- ما تتعبنيش يا جابر.
ملأوا الحجرة الضيقة، رغبتهم في فتح الحديث تتكسر علي صخور حيائهم، كياناتهم جميعاً معلقة به، يتمتم ببعض العبارات بصوتٍ خفيض اعتقدوا فيها كوردٍ خاص به يتلوه بعد كل تحليق في العالم السماوي، جابر جلس قريباً منه جداً، يمد أذنه، يحاول تصيد الكلمات، تمني لو استطاع أن يضع أذنه داخل فم الشيخ. أعوام مرت وهو لصيق به, أراد أن ينتمي هو الآخر إلي ذلك العالم الغيبي، أخبره الشيخ أن الأمر لا تحكمه قوانين محددة، اعتقد فيما قال لكن كان بداخله ما يشبه اليقين؛ الإنسان هو تجمع لعناصر كثيرة, ربما لو نقي هذه العناصر، لو انتزع منها الشوائب سيمتلك درجة من الشفافية تمكنه من التحكم في مادية الجسد، سيكسر سطوته ويحطم قيوده ويغادر مكانه في كل الأبعاد في لمح البصر.
عكف علي قراءة كتب الروحانيات، محاولة الاستماع إلي الهمسات الخفية في جنح الليل، إجبار عقله علي الإمساك بشتات الأحلام. الجلوس لساعات طويلة من أجل استقراء ما وراء الطبيعة, من أجل ملأ الفراغات في نسيج أسرار الوجود.
يؤلمه كثيراً أنه رغم ذلك المجهود العنيف لم يصل لشيء، لازال محبوساً في سجن المادة، لا يوهن ذلك من عزمه. في داخله إيمان بأنه لم يولد إلا ليكون صاحب أعظم الأدوار، الشيخ راضي لن يذكر إلا كشظية ساهمت في توهج شمسه.
يلتفت الشيخ راضي نحو المتلهفين علي كلمةٍ منه، ينظر باتجاههم لكنهم لم يكونوا أبداً هدف عينيه، نظرته بدت وكأنها إلي شيءٍ ما خلفهم، بل خلف الحائط الذي تنتهي عنده حدود الحجرة.
- يااسماعيل التفاحة اللي بتقطفها وشايفها حلوة مدودة فاصبر واستني شجرة تفاح ثانية تفاحها حلو.... يا يونس إتقالي إنك هتغرق رغم حتى تحذيري لك.... يا مؤنس الشمس بتطلع بالنهار والقمر بييجي بالليل وعمر ما هيحصل العكس.... ده اللي قاله ليٌَ سيدنا الخضر.... بقية المسائل في اللقاء اللي جاي بإذنه.
- يا سيدنا الشيخ.... وجواز بنتي.
- لسة ما جاليش به خبر.... اصبر.
- إذا أنا صبرت العريس مش هيصبر.
يخرجون ، يمعنون التفكير فيما أخبروا به ، النجاة تعتمد علي الاستقراء ا لصحيح .
جابر يجلس صامتاً، لا يريد أن يبدأ الشيخ بالحديث، يسود السكون لفترةٍ طويلة، يخرج الشيخ من تأملاته ليهتف بجابر فجأةً:
- النهاردة حصلت حاجة غريبة جداً.... لأول مرة سيدنا الخضر يحضني جامد.... كانت ذراعاته قوية قوي لدرجة إني حسيت إني بذوب فيه.... بعدين سابني وبعد بعيد.... سمعته بيقولي:
ما حدش بيفلت من القدر.... ركزت علي شفايفه ما كانتش بتتحرك لكن صوته كان بيدوي في عقلي.... ما حدش بيفلت من القدر حتى لو استحبي وراء الشمس والقمر.... فيه روح بطوف حواليك.... ما فهمتش يقصد إيه... بس حسيت إن قلبي إتقبض... بعدين اختفي وفقت لقيت نفسي بينكم.
_2_

في ظلام الحجرة جلس الشيخ راضي علي سريره مفتوح العينين، يرقب ضوء القمر الفضي المتسلل عبر فرجة النافذة، عقله مشغول في تفكيرٍ عميق.
يحكي ما مر به أثناء تواصله مع الأطياف النورانية، سريعاً ما يستنبطون تفسيرات لما رأي، بينما يجلس في أي مكان ينتابه شعور مفاجيء بالخفة, يجد نفسه وقد صعد عالياً، يبلغ في ارتفاعه السحاب، يحلق كطائرةٍ نفاثة، يصل إلي مكانٍ تحيط به المياه من كل صوب، يجد رجلاً يجلس علي عرشٍ ذهبي مطعم بأحجارٍ كريمة شديدة التألق، من اللقاء الأول أدرك أنه الخضر، يجلس إلي جواره، المياه تجري من تحتهما في كافة الاتجاهات وكأنما تتفجر من تحت مجلسهما، علي امتداد البصر شلالات تتلألأ مياهها كالألماس، لا يستطيع بعينيه المجردة أن يدرك من أين تسقط، أقواس قزح بألوانها البراقة تملأ الأفق.
تتوالي المشاهد، الخضر يتكلم، ينصت لما يقول، يسأله، يستمع إليه الخضر أحياناً، يشير نحوه بالصمت أحياناً أخري.
يعود ليستجمع ما قيل، بعض العبارات تبدو مبتورة، بعض المشاهد لا تجد في الذاكرة ما يكملها، يحكي ما تسعفه به ذاكرته، الجميع يجدون فيها صورةً مكتملة, كثير من الأمور تبقي _بالنسبة له _ألغازاًلا يجد لها حلاً.
جابر يجد في حديثه حول الروح الحائمة تفسيراً سريعاً، أحضر الكثيرين من مريدي الشيخ, سألهم أن يسهروا علي حراسته, يحاول الشيخ الاعتراض، لا يلبث أن يرضخ تحت تأثير النظرات المملوءة خوفاً عليه، الخوف الذي نفثه جابر في نفوس الجميع.
_3_
في الحجرة المجاورة كان جابر يحارب النوم، إنه يخشى الاستغراق فيه, الحلم المعتاد سيداهمه، الشيخ يجلس في حلقته، يحاولون تقبيل يديه كالعادة، المسح علي ملابسه، الفوز بدعاءٍ منه، اعتاد الشيخ أن ينهرهم لكنه في الحلم يقرهم علي ما يفعلون, الأمر يتطور إلي سجودهم بين يديه، اعتاد أن ينهض فزعاً علي صوتٍ يخاطبه قائلاً:
- الأمور هتمشي كده..... بإيدك إنك توقفها ودورك إنك توقفها.
يتسلل إليه النعاس كلصٍ حذر يسرق يقظته، يجد في يده خنجراً يقطر دماً، الشيخ راضي ملقاً أمامه، من حوله يطوف المريدين، صرخاته الفزعة تطرد كل أثرٍ للنوم، يتجول في حجرته قلقاً, يفتح بابها, ينظر إلي البهو، الرجال المكلفون بالحراسة جميعهم نيام، يوقظهم، ينهرهم علي هذا السبات الذي وجد طريقه إليهم، يعود إلي حجرته، الساعات تمر وهو جالس يحدق في الفراغ، فجأة يشعر بنفسه خفيفاً جداً، روحه تنطلق تعبر جدران الحجرة، يجد نفسه محلقاً في سماواتٍ مفتوحة, لا يعرف كنه شعوره, كانت انطلاقته بهذه الطريقة حلم حياته، عندما تحقق الحلم صار شيئاً يخافه.
ينطلق في طريقٍ محدد بسرعة خارقة، لا يدري كيف عرف طريقه بمثل هذه الدقة، يصل إلي موضع تفجر المياه وانطلاقها في كافة الاتجاهات, الأحداث تمر، يحاول استرجاع ما قيل، من قابل, عقله خالٍ وقد تبخر كل شيء, فقط هو في الحجرة, بيده خنجر لا يذكر كيف وجد طريقه إليه، صورة الشيخ ملقاً أمامه تسيطر علي عقله, ينهض، يتخبط في سيره، يجد نفسه واقفا علي رأس الشيخ وقد نام في فراشه، لم يعترض أحد طريقه وهو في اتجاهه نحو حجرة الشيخ، يلمح في وجه الشيخ نفس الوضاءة والبشر تفيض به قسماته, يتحرك بخطا ًمرتعشة إلي الوراء وإن مازالت عينيه معلقةً بوجه الشيخ، المشاهد تتالي أمام عينيه متصلة منفصلة كلقطاتٍ سريعة غير محددة المعالم والتفاصيل، أمامه الشيخ وقد باتوا يقبلون التراب تحت قدميه، يسألونه أن يسقط الأمطار، أن يخفف من حرارة الشمس، أن يكشف السارق، أن يفضح الكاذب، أن ينزع الحقد من القلوب، أن يوصم من يأتي السوء علي جبهته بمجرد أن يفعله، أن يمنحهم السعادة.
فجأة ينقلب كل شيء، أوصدوه بالأغلال، انهالوا عليه ضرباً، قرروا أن يجعلوا صقراً يلتهم كبده حياً جزاء خداعه بعد أن فشل في تحقيق كل ما أرادوا.
يصرخ جابر:
- لا.... مش ممكن أسمح لده إنه يحصل.
يده تهوي بالخنجر، ينظر للدماء تقطر منه، الشيخ الذي تدحرج من فوق فراشه واستقر علي الأرض.
يخال نفسه ينهض فزعاً من حلمه، يصرخ في قوة، يدرك أنه لم يكن يحلم، المريدون يدخلون الحجرة إثر صرخاته الفزعة, الذهول يتربع علي وجوههم ، التفوا حوله، أيقن أنه لابد هالك، لا يفتح فمه بكلمة، يجلس علي الأرض، ينظر نحوهم، يتجهون نحو الشيخ, يلتفون حول جسده، يتمتمون بعباراتٍ هامسة, أذني جابر لا تسمع أياً من أحاديثهم، عينيه لا تري أياً منهم، يشعر من جديد بأنه خفيف جداً، يجد نفسه طائراً في السماء، محلقاً بسرعة ٍ خرافية فوق سطح الماء.





_تمت بحمد الله_







Free Forum Hosting by Forumer.comTM!