أتذكر جيدا ذلك اليوم ، كنت عائدا من مدرستي الإبتدائية سنه أربعة و خمسين و شيع لي أحدهم خبر إعتقال أبي و مصادرة صورة لينين الكبيرة الموجودة في ورشته و التي كانت تضمه وأمامه جماهيره العريضه يخطب فيهم..
عدت يومها لأجد البيت حزينا بناسه ..إخوتي و أمي .. لم أعش لحظة وجع تفوقها في حياتي بعد ذلك،حتى وفاة زوجتي..حتى وجع ضياع الحلم أمام ضغوط الحياة بماديتها و إلزامات المعيشة..
وجدتني أكتب يومها..وجدتني أخدع الجميع..وجدتني مخرجا دراميا للحدث..فكتبت ورقة ممضية من أبي مُخبرا ً بعودته الأحد بعد القادم و أرسلتها بالبريد و انتظرتها معهم من البوسطجي..
ففرح بها الجميع..إلا أنا.
كان حزنى أفدح من حزن الجمع كله وقتها، و في اللحظة التى رأيت الفرحة تفترش وجههم رأيت نفسي نضجت و صرت شاباً فتياً نبتت لحيته و على كتفه مسئولية بيت كامل، صحيح أن تلك المسئولية رفعت عن كتفي بعدما خرج ابي من السجن، لكن ما زالت تلك اللحظة هى التى عندها أحسست انى نضجت.
لماذا أحكى لك كل هذا، و لماذا أبدأ قصتى من تلك اللحظة؟!!
لما لاأبدأ لك حكايتى مثلا من ..
لما لاأبدأ لك حكايتى مثلا من الفترة الذي ـ بالرغم من صغر سني ـ شعرت فيه أن عائلة كعائلتي ليس من السهل أبدا ً أن تقضي حياة بسيطة بلا اضطرابات كاعتقال أبي و خروجه المفاجىء شخصا ً غير الذي ذهب .. كانت تلك اللحظة التي تسرب إلي فيها عدم ثقتي بمستقبل بيتنا عندما قرر أبي فجأة أن يعلق صورة لينين الكبيرة في ورشته و كف عن العودة إلى المنزل في وقت ٍ محدد و صار يقضي النهار كله و معظم الليل في ورشته صامتا ً لا يتحدث إلا مضطرا ً و صارت عيناه تائهتان طيلة الوقت لا ترتكزان على نقطة محددة لأكثر من ثانيتين، كانت تلك هي الفترة التي بدأ ذلك الخوف الغامض يفسح لنفسه مكانا ً في قلبي و في بيتنا الصغير .. فقط فيما بعد تأكد أنني كنت محقا ً في خوفي، و ليس اعتقال أبي هو أهم أسباب هذا التأكيد و لكن ..
الإحساس الدائم، بالخطر... الخوف!
الخوف من العقاب، من السلطة، من الظلام، من الكائنات التى تظهر و تختفي في الظلام، الخوف من المستقبل و القلق مما سيكون، هذا الخوف الممزوج بالقلق الذى ظل مصاحباص حياتى حتى تلك اللحظة، التى علمت فيها بأنه لا أمل، و بأن السرطان قد ملأ كل رئتى.
و في تلك الظهيرة التى خرجت فيها من عيادة الطبيب رأيت الشمس كما لم أرها من قبل، زاهية كما يصفونها في الروايات الهادئة، كانت هذه أول مرة أحسست فيها أن تخلصت من كل الظلال التى اثقلت حياتى طوال سنوات، الخوف، القلق، تحمل المسئولية، .. كل هذا ذهب في ذلك اليوم و أنا خارجاً تحت ذراعى صور الأشعه و بيانات موتى، و الشمس في السماء زاهية و كان النيل لأول مرة سعيداً.
حينها قررت أن اكتب إليك!
أه يا لينين!!!
أيها المنسى في كهوف الذاكرة، المتروك تحت الطبقات العمر و الحلم و الغربة و النشوة و الحميمية،..أنت يا من ترقد هناك على بعد ألاف الكيلومترات و السنين، اخاطبك أيها البعيد و أكتب إليك بشأن ما جرى معى فاسمع منى..
*----------------------------------*-------------------------------*
كان يفترض أن أكون في الحرب.
لكن الله و أمن الدولة و تاريخ أبي وضعوا لى خطط أخري، و في اليوم الذى علمت فيها نبأ إعفائي من الجيش، بقدر ما حزنت من ضياع حيلمى-وقتها- في الحرب، بقدر ما كانت فرحت أصدقائي، الذين تعانوا في واحده من المرات النادرة على إعداد حفل باخسوية صاخبة، و لم يكن السبب في ذلك فرحة بخروجى من الجيش، بقدر ما كان ابتهاجاً بالورث الذى ورثه الدرش، صديقنا الفتك المؤمن بالمادية التاريخة و المختلف مع ديكتاتورية البرلوتاريا و الحاصل مع نوط الاستحقاق على لقب برجوازى صغير، صاحب السيارة، و محل الدهب المملوك لأبيه و خاله لواء الجيش، و المحافظ بعد ذلك في سنوات السبعينات الأخيرة.
في تلك الليلة و في فيلا الدرش، تجمع عدد ضخم من الرفاق و الشباب المجانين كان هناك صناديق كاملة من البيرة و النبيذ المصري، و عشرات الأشياء الأخرى، مزيكا غربية في الأغلب و في أحد الحجرات تجمع خمسة أشخاص يسمعون أسمهان، و عند الثانية ليلاً ظهر عمرو خيرت مع فرقته، كان مجموعة من الشباب من أصدقائنا، لعب أغانى لبوب ديلان و للبيتلز.... ثم سحبنى الدرش:
-أنت مش بتاع المزيكا الأجنبي تعالى بقي اسمعك حاجة لسه جايه لى من برا
صحبنى لركن في الصالة وقف فيه شاب أجنبي أشار إليه و قال((بيير))، و بجاوره فتاة سمراء مدت يدها و سلمت و عرفها ((أنس))، و الباقي كنت أعرفه، هذا مثقف و ذاك يدرس في الخارج ، و هذا يعمل في الخارجيه كان ذلك الحفل صفوة مجتمع البرجوازيين المثقفين
-حسناً أن ارى ان هذه الفرقة سوف تصبح اهم فرقة في تاريخ الموسيقي، و بيير يرى أنى ابالغ و انهم عاديين، اريدكم ان تحكموا بيننا
هكذا قالت السمراء أنس، ذات العيون الخضراء و التى سأقع في حبها إلى الغرق بعد تلك الحفلة بأسبوعيين و التى سأعلم في ذلك المساء مع كأس النبيذ الأخيرة، أنها من عائلة ارستقراطية من فترة ما قبل الثورة، لكن وفقوا امورهم مع السلطة الجديدة، فعادوا من منفاهم الاختيارى فرنسا ، حيث ولدت أنس و تعلمت و عادت لمصر منذ ثلاثة سنوات حيث تعمل في مجال الترجمة و التدريس في الجامعة أحياناً أما بيير.. فكان صديقها، او كما سأكتب لـ.لينين بعد اكتشافي للسرطان ((كان بيير و أنس ، بوى و جيرل فريند... يا لينين))
-اسم الفريق Pink Floyd
و الألبوم يدعى
Piper At The Gates Of Dawn
هكذا قالت السمراء ذات العيون الخضراء أنس!
و آهٍ يا (أنس) أيتها اللحظة الطازجة لاكتشافي لورعة الأنثى الفرنسية بالرغم من مصريتها، لم يكن ذنبي يا( أنس) يا من ورثتي سمار المصريات و أعين الفرنسيات ان تتجه كل خلاياي إليك منذ اللحظة الأولى، المشكلة أن لحظة تعارفنا تزامنت مع لحظة تعرفي على الـ
(Pink Floyed)، لقد تزامنتي مع الموسيقى يا (أنس) فكيف كان لي أن أتجاهل كل هذا فأعشق الـ(Pink Floyed) فقط؟ لقد عشقتكما معا ً يا (أنس).
خرجت ُ من الحفلة متحررا ً من كل هموم حياتي السابقة بفعل النبيذ الذي كان من جملة ما عشقت أيضا ً في هذه الليلة، لم يكلف الدرش نفسه عناء أن يعرض عليّ توصيلي لمنزلي بسيارته الفارهة و لم يؤسفني هذا فلم أكن لأقبل على أية حال، فقط أردت أن أسير وحيداً بمحاذاة النيل لأطول فترة ممكنة، و لم أكن أبدا ً ممن يعشقون النيل و يصابون بالبلاهة لرؤياه فما مزلت مصرا ً أنه لا يوجد فيه أي جمال، هو مجرد مجرى مائي شديد الاتساع شديد القذارة في نفس الوقت. فقط أردت أن أملأ صدري برائحة أول خيوط النهار، أذكر أن أبي علمني أنه لا يجوز تنشق الهواء باستمتاع إلا على كونيش النيل. و هذا ما فعلت.
عندما عدت للمنزل، و فتحت درج مكتبي شديد الصغر لأطالع شهادة إعفائي من الجيش، صدمتني للمرة الألف عبارة: ( لدواع ٍ أمنية) التي هي سبب إعفائي من الخدمة. و لا أعرف من أين أتى كل هذا البكاء.
*--------*--------*
فشلتُ في إيلاج المفتاح في الباب فطرقته لتفتح لي (عزة) زوجتي ترتدي السواد كعادتها منذ موت أبيها، كان هذا منذ ستة أعوام مات في فراشه سالما ً عن إثنان و سبعين عاما ً فلم كل هذا الحزن؟ لم أخبرها بعد أنني مصاب بسرطان الرئة، و ربما لن أخبرها. هي رأت صرو الأشعة في يدي و لم تحاول أن تستفسر هي امرأة بلا فضول. لم أحبها أبدا ً، فقط كنت أنفذ رغبة أبي المستميتة في أن يراني متزوجا ً لدى خروجه من المعتقل، كانت تلك هي أمنيته الوحيدة التي لم يقاتل من اجل شيء كما قاتل من أجلها. تزوجت (عزة) إرضاءا ً له و لم أحبها أبدا ً. كانت دائما ً هناك و كنت دائما ً كما أنا، لا يربطنا زواج حقيقي. لم أطلقها بالرغم من وفاة أبي بعد عام ٍ و نصف من خروجه من المعتقل. هي هناك كأنها ليست هناك و لم يتغير شيء، حتى عندما كنت ُ أغيب عن المنزل أياما ً. حتى عندما وقعت ُ في حب (أنس) و صرت ُ أعاملها بتجاهل شديد. حتى عندما أصابني الاكتئاب لفترة غير قصيرة بعد إعفائي من الجيش. لم تسأل. هي تمارس دورها دون أن تحيد عنه لحظة. زوجة على الورق.
- أستأكل يا علي؟
- أكلت ُ بالخارج.
ولا تسأل.