Full Version : حوتٌ رَماديّ
mounirian >>كشك القصص القصيرة >>حوتٌ رَماديّ


<< Prev | Next >>

Pegasus- 03-11-2007

الشراعُ الأكبر لفظَ آخرَ أنفاسهِ ، بينما الحبال تتمزق فتائلها المتينة ، كأنها أوتار جيتارة رقيقة ، أمام جحيم الماء و الملح و الريحْ ، ركاب " عدن " السفينة الشراعية الضخمة ، المزودة بثلاثة صوارٍ و أحدعشر شراعًا ، يزين صدر كل منها شعار عائلة لوكاس العريقة والمعروفة في كل موانئ البحر الأبيض المتوسط ، ابتداءا من ميناء روما ،عبورا بمضيق ميسسينا نحو أثينا أو فينيسيا
بين صقلية و فردة الحذاء عالية الكعب المسماة إيطاليا على الخرائط الصفراء المهترئة والمترصة دائما في فوضى على مكتب القبطان ماسسيميليانو روكو آخر نسل آل لوكاس ، قاهري البحر المتوسط العظام. .
تبدأ عدن الإبحار ، في كامل أبهتها ، وأشرعتها البيضاء المربعة و المثلثة منتفخة بفعل رياح الشرق الدافئة ، متجهةً نحوَ الغرب ، نحوَفرنسا .
و حتّى في أيام الشتاء القارص حينما تكون الرحلات نحو صفاقس و بن غازي باهظة الثمن ، في هذه اللحظات العصيبة ، اندفع مائتان من ركاب عدن من القمرات السفلية للسطح ، حيث تدافع ثلاثمائة جسد بشري في جموع الرعاع المسافرة نحو بن غازي ، نحو القوارب الصغيرة المعلّقة على جانبي السفينة ، كانت الفوضى أكبر ما يكون ، و صفير الرياح الممزوج بعويل النساء و انين الأجساد المنسحقة تحت الأقدام الإيطالية الكبيرة ، كل هذا بدا كفوران يعلو في أحد ساعات يوم الدينونة،
وبينما مالت عدن على جانبها الأيمن ، تحت وطأة الرياح الشمالية الفاجرة ، وأثناء اتجاهها للشرق الجنوبي ،بعد انتهاء ثلث المسافة بين ميسسينا و بن غازي . هناكَ في مقدمة الجزء المتوسط من السفينة ، في كابينة القبطان ، وقف القبطان ماسسيميليانو روكو في معطفِهِ الكحلي الذي جعله شبيها بأحد حيتان الاطلسي الكبيرة ، بلحيته الثلجية و حاجبيه الكثّين ، و قبّعته البيضاء ، كان الرجل ، يدخّن غليونه محاولا الحفاظ على توازنه ، مع الميلة الحادة و المفاجئة للسفينة ، كان قد تخلى تماما عن العجلة التي تدور في أزيز متصل ، مثير للغثيان ، بعد أن أيقن أن الدفة تحطمت تماماً بفعل النتوءات الصخرية المقابلة لشرق مالطا . صوتُ الهياج الهرمجدوني المتصاعد للرياح ، توقف لوهلة ، ارتفعت فيها طقطقة مفاجئة لعوارض السفينة الجانبية ، السفينة المعلقة على جانبها الأيسر ، وركابها المتدافعين ، في لحظة ارتفاع هذا الأنين الشيطاني ، تجمدت كل التفاصيل ، كان أول من اتخذ رد فعل هو القبطان ماسسيميليانو روكو ، حيث قام بانتهاز فرصة السكون المفاجئ للحركة و الصوت ، متجاهلا الطقطقة المرتفعة ، وقفز قفزة واحدة لمقدمة الكابينة ، صارخًا باعلى صوته ، في طاقمه ، الذي كان نصفه ممزقا بالفعل تحت أقدام رعاع روما ، ونصفه قابضًا على حبال قوارب النجاة متعاضدًا في تمزيقها بالفؤوس الصدئة التي قاءتها خزانات المعدات على سطح السفينة. هكذا ذابت آخر مقاطع صيحة القبطان ماسسيميليانو في صوت كرّة الريح المفاجئة ، التي قصفت ظهر السفينة بحجارة بيضاء تفتتت فور ملامستها للرؤوس و الأجساد و الأخشاب ، أو اخترقت الشراعات التي لم تكن قد انقذتها سواعد رجال الشراع من صفعات الرياح ، كانت عينا القبطان ماسسيميليانو روكو الرماديتانِ العميقتان ، على حالهما الدائم ، صامتتان ، مغلفتان بطبقة دمعية متلألأة ، انعكست على حدقتيهما ، مشهد الأشرعة الممزقة ، وشعار آل لوكاس الأزرق الليلي ، متدلٍ في ذلٍ فاحش ،



************



قال جيوفاني الفاجر

كان الربّان جذّابًا ، رجل خمسيني ، أنيق ، أضاف المارتيني الدائم لوجهه و عينيه مسحة من العبث الوقور ، كانَ شجاعًا ، أحسدهُ ، لم يرتفّ جفنه ، كنت مارًا ، بالأحرى محمولا في شلال الأجساد، كان الأمر حارًا ، وبعدُ باردًا بعشرات القلوب الغريقة النابضة بالخوف والرغبة السرية في الموت ، هناك ، بجوار الكابينة الرئيسية ، كان ممسكا بالدفّة المجنونة ، وقد طارت قبعته البيضاء في تحيّة مقهورة لبوسيدون الغاضب ، على أرضية قارب النجاة ، جمعت خمسة أسنان ملوثة بالدم ، عندما لكمني أحد أفراد الطاقم ، لأنني توقفت قليلا لأرى إلى القبطان ، ماذا كان اسمه ، لوكاس ، ماسسيميليانو آل لوكاس ، كان طعم فمي صدئا ، وقد أقسمت أن رد هيبتي المبعثرة على أرضية القارب مع أسناني الخمسة ، وفعلتها عندما أوصلتنا السفينة " مارتينيس" إلى ميناء سانتوريني بعد ذلك ، هذا الضابط الــ .. هه ! ، آه ، القبطان ، كنتُ انانيًا كالبقية ، وأدرت ظهري للسفينة الغارقة .



قالت ماريا بيا العجوز

أرادَ الربّ أن أودّع أولادي ،روزاريو لم يتمّ العشرة سنوات بعد ، هم الآن ينعمون بقرب السيدة العذراء ، ضباط الطاقم ، فرقونا ، كان رقمي مائة و خمسة وثلاثون ، آخر ركاب القارب الثالث ، ثم مارسيلا و أبنائها وزوجها ادريانو و روزاريو و مانويل و سيبيلا ، كلهم كانو من ركاب القارب الرابع ، القارب الوحيد الذي غرق ، لن يرى روزاريو وجوه الليبيين السمراء ، لن يرى الصحراء العظمى ، والحيوانات ذات الوبر المسماه بالجمال ، أوه روزاريو ، ليتغمدك يسوع بالرحمة ويتغمدني بالسلوان ، ويتغمّد روح القبطان ماسسيميليانو روككو آل لوكاس الطيبة بالخلاص ، لقد قال لي الأب سانتوس أنه من الشهداء ، لأنه فضّل أن يحافظ على الدفة في الوضع المناسب لفرارنا قبل أن يبتلعنا البحر ، اما هؤلاء الضالون القائلون بان روحَهُ معلّقةٌ في السفينة ، لا تزال ، ترفّ على هذه البقعة المشئومة ، القائلون بأنه كان سيقضي نحبه إن رآها تغرق أمامه ، هؤلاء يحتاجون أن يقرؤوا الكتاب المقدس من جديد ، ويحتاجون المزيد من الصلاة للسيدة الطيبة العذراء لتنير قلوبهم بالأيمان وبنور المخلص يسوع المسيح . آمين .



قالت إيزابيل العاهرة

كانت القروش ستحظى بوجبة شهيّة ، الشكر للرب يسوع ، وهنيئا للكثير من الزبائن المحظوظين في سانتوريني ، منذ أن نصحتني لوسيا بالسفر لبن غازي وأنا لستُ مطمئنّة ، منذ البداية ، كنت أعلم أن الرب لا يريدني أن أذهب هناك ـ تمجد في ملكوته السماوي ، الآن في سانتوريني ، الزبائن طيبون ، والكهل اليوناني صاحب الحان ، جوزيف السمين ، يعاملني كإبنة ، حمدا للرب ، مازال مشهد البحر الغاضب يسكنني ، وإحساسي بقرب النهاية ، نفس الإحساس الذي هاجمني مرارًا كلّما هجم علي ماريو بسكينه القذر ، في المرات التي قمت فيها بدس بعض المال في الصدّارة ، أو في السروال التحتاني ، كان يشم المال إبن الحرام ، أوه ، نظرات جوزيف السمين تذكّرني بنظرات القبطان الوقور ، الذي لم يلحظ نظراتي الهائمة في حانة السفينة ، لم أبد هناك كساقطة من نابولي ، كنت في كامل زينتي كسيدة راقية من ميلانو أو من روما ، لكنه لم يلحظني ، قال لي الدون جيوفاني مازيراتي أن اسمه ماسسيميليانو ، وقد كان ماسسيميليانو فعلا ، أراهن أن حيوانه كان جبًارًا ، كان وسيمًا للغاية ، كان حلمًا لكل فتيات السفينة الساقطات و بنات العوائل المحترمة من ميلانو و بارما وروما ، شاهدت بعينيّ هاتين الأميرة السلافية الهاربة مع زوجها الدوق ، ماذا كان اسمها ، لا أتذكر ، كانت تنظر له وكأنها على وشك أن تغيب عن الوعي من وطأة الرغبة ، خسارة كبيرة أن يصبح غذاءا للقروش في آخرالأمر .



قال ديميتري الطفل عدو الشمس :

فقدت كلّ السفن الورقية ، في هذا الكارثة ، وماما ، قال بابا ، أننا سنلتقيها في الأبدية ، رغم أنني لم أفهم منه ما هي الأبدية ، لكنني سمعت أمي تحدّث العم جاكس جارنا العجوز عن مكانٍ سيلتقي فيه زوجته العمّة نينا التي تركناها تحت الزهور في ساحة الكنيسة في أحد الآحاد البعيدة جدًا ، يقول أبي أن الرجل العجوز ذو الأنبوب الذي يصدر الدخان ، سوف تظل روحه عالقة في المطهر ، لأنه لم يحظ بدفن مسيحي ، ولانه لم يتب ومات مصمما على فجره ، لم أعرف ماذا يعني دفن مسيحي ، فقال أن ذلك يشبه ما فعلناه بالعمة نينا ، أحيانا يبكي بابا كثيرًا ، وعندما يهدأ يأخذني ونذهب لميناء بن غازي حيث الكثير من السفن الورقية الكبيرة ، والرجال السود الذين يبصقون كثيرا .





قال فابيو رجل الصاري الأول :

الأمرُ الأشد تعذيبًا ، أننا تركناه ْ ، اتذكر مشهد البطانية الزرقاء الضخمة ، خيلَ لي فجأة أن هناك ماردًا ضخما يحاول شق سطح البحر ، ارتفعت الخيمة الأولى ، ولطمت جانب "عدن" لتسقط بذلك كل صناديق الأمتعة على سطح السفينة ، بعد أن كنا قضينا أسبوعا في تصفيفها بعد الإبحار ، بعد ذلك بثلاثة أيام ، كنا في قارب الإنقاذ ، أنا و بعض رجال الطاقم الناجين ، الرب وحده يعلم كم كانت ستبكي ساندرا ، وكيف كانت ستوفر الطعام والملبس و السكن لأطفالي الخمسة ، سأفتقد القبطان ماسسيميليانو روككو آل لوكاس ، إنه بطلٌ خرافي ، من العصور الوسطى ، عدن أيضًا هي أشبه بتلك الغليونات التي مخرت الاطلسي نحوَ أميركا منذ مائتي عام ، كانت عيناه الرماديتان تخترقانك كأنك قالب من الجبن ، وتعرفان بأنك أكثر من الشرب في ليلة المناوبة ، أو بأنّكَ ستطلب سلفة على راتبك الذي أخذته مسبقا بناءا على طلب منك في بداية الموسم
، لترقد روحه الخالدة مع العظماء في سلام إلى يوم الدينونة.


*************





الهياج الصاعد لأعلى ، وأنين الأخشاب ، الميلة المباغتة ، المارتيني المهرق على الأرضية ، أزيز العجلة المجنونة ، بكاء عوارض عدن البائس ، لطمات الموج المنتقمة ، غلّ الرياح المصفّرة ، خيالات قوارب نجاة بقانديل صفراء بعيدة ، ورجل بمعطف أزرق ، يحمل زجاجة خضراء ، على سطح السفينة ، ناحية المقدمة ، يصرخ ويرقص في فالس مع شريك لا مرئي ، جبل أزرق متوتر السطح ، يتوقف لوهلة بجوار عدن المرتعدة ، عينان رماديتان تنظران للأعلى ، هدوء مفاجئ ، لا بكاء خشبي ، لا صفير ـ، لا هياج صاعد ، فقط ، انقضاض نازلٌ مائيْ .. يتبعه صمتْ !

من بعيد ، عدة قوارب تتراقص ،
من بعيد ، قوارب تتراقص على سجادة زرقاء ،
من بعيد قوارب ، تتراقص على سجادة زرقاء كأنما على وقع فالس أخرس ..

********************


قالت بياتريس الذاهلة عمّا حولها :
أنفاسه الحارّة ، الممتزجة بالمارتيني و التبغ
، تطوق خاصرتي ، لازالت ، أشعر بكفهِ الخشنة ، على رقبتي ! أسمعه ، يقول : بياتريس حبيبتي

"تمت"




Free Forum Hosting by Forumer.comTM!