قصتي اليدوية
شارع طويل ، مزدحم دائما بالسيارات و الناس ،تجري به كافة أنواع المواصلات ،قل تتهادى ببطء ،قصدت عنوانا في آخر هذا الشارع و قفزت في عربة بيضاء ،قديمة الصنع – فولكس – و انحشرت بين الركاب الممتلئين على المقعد الخلفي ،كان الجو حارا و الهواء مختنقا بالعوادم في شارع فيصل ، نسير مترا و نقف ضمن حزام السيارات دهرا ، ضاع الصبر ، قرر السائق أن يسلك طريقا جانبيا مختصرا ،سأل الركاب "هل من معترض على خط السير الجديد !" فلم يعترض احد ، أصابني ضيق داخلي لان هذه الطريق المختصرة سوف تبعدني قليلا عن هدفي المنشود ، و لكني قدرت أن هذا خيرا لي من الانسحاق وسط الزحام ، قفز السائق بالسيارة قفزة ،و ثانية ، و ثالثة .. أصبحنا في حارة جانبية لا يظهر لها نهاية ، سار مسرعا يتفادى المطبات و البالوعات العالية و السيارات الراكنة على جوانب الحارة الضيقة ، أعجبه الاختيار فأمن على نفسه "هذا اختصار جديد ، لم يسبق لأحد من السائقين أن مشى فيه ..أمي هي من وصفته لي!!" ، و لم يعلق احد من الركاب هذه المرة أيضا .
كنت أفكر في أشياء سخيفة ، و أفكر في أنني انهزمت كثيرا هذه الأيام ، و أن عندي موعد لابد أن ابلغه دون تأخير ، حتى اصطدم السائق ببالوعة غير مرئية ،انحرفت بنا السيارة على جانب الطريق ، و سقطت في ارض فضاء واطئة ، لم يعد السير ممكنا بعد تلك الحادثة ، ترجلنا جميعا ،انطلق كل إلى حاله بعد برهة من الارتباك ، و وقف راكبان مع السائق للمساعدة ، و اللوم القليل ..أخذت نفسي و ابتعدت عن المكان ،لم استطع تحديد اتجاهي في هذه المنطقة المتشعبة المكتظة بالأشياء الغريبة ! ، سرت قليلا حتى وصلت إلى ورشة لتصليح السيارات و سألت العامل المشحم "كيف الطريق إلى الشارع الرئيسي مرة أخرى ؟" فاخبرني أن هناك اختصارا سهلا يصل إلى الطريق من وراء كتل العمارات و الأراضي الفضاء ..سرت مجهدا وسط الغبار و الجو يزداد حرا ، وكدت أن اجلس مكاني في فراغ العشوائية ، حتى لاح لي من بعيد أوتوبيسا للنقل العام ، مكتوبا عليه الاتجاه المنشود فجريت وراءه بلهفة و أمل ، و ظننت أن ينتهي كل شيء ، ثم خالطني يأس التائه الراكض في الحر عندما رأيته يسرع ،اشتعل الحيوان البري بأعماقي ،غضبت و جريت أسرع ،أصبحت موازيا للباب و قفزت قفزة اوليمبية فأصبحت بالداخل ،غاضبا و يائسا من اللحاق بالموعد .. و كأن الأمر يحتمل الهزل ، قام شاب يجلس على كرسي بجوار الباب بالتشبث بذراعي بلا سبب و أنا سائر في الممر بين الكراسي آخذا طريقي إلى كرسي خال في مؤخرة الأوتوبيس ،زجرته فلم يتركها ، دفعته بعنف فازداد بلاهة ، و ضحك ساخرا ..لم يتركها .
في لحظة مرت كالدهر اندفع الدم إلى رأسي ، أصبحت الأشياء من حولي داكنة ،حمراء داكنة ، شعرت بزمجرة و زئير يخرجان من سويداء قلبي ، فهويت على هذا المتطفل بلكمة واحدة ، لا لكمات بعدها أبدا ..تقوقع في مكانه صارخا و فصل الركاب بيننا ،و قلت ليس الجزاء إلا من جنس العمل ،و رأيت يدي قد جرحت من جراء المعركة القصيرة فضمدتها بمنديل ،و اتجهت إلى مكاني المنشود في الكرسي الأخير ..لا اخفي ارتياحا كبيرا لا اعرف مصدره ، و حررت نفسي من قيد دقات الساعة ، و قررت أن يذهب التوقيت إلى الجحيم ، و سار الأوتوبيس يتهادى ببطء وسط الزحام ..على الطريق الرئيسي مرة أخرى .
مايو 2007