Full Version : نجيب سرور
mounirian >>هؤلاء >>نجيب سرور


<< Prev | Next >>

A.Naje- 10-29-2004
قد آن ياكيخوت للقلب الجريح
أن يستريح ،
فاحفر هنا قبراً ونم
وانقش على الصخر الأصم :
" يا نابشا قبرى حنانك ، ها هنا قلبٌ ينام ،
لا فرق من عامٍ ينامُ وألف عام ،
هذى العظام حصاد أيامى فرفقاً بالعظام
----------------

يا سيداتى يا أميراتى الحسان ..
أن لن أقول لكن ما أسْمى بين فرسان الزمان ،
ولتنطق الأفعال من قبل اللسان

-----------------------

- قدم اليهن البطاقة !
- ما من بطاقة .
- قدم اليهن الجواز !
- ما من جواز .
لا وشم حتى فوق زند أو ذراع !
- يا للضياع
--------------------
- أيها الهاتف من أنت ؟ !
- أنا بصقة قبر !
- أنا خفاش عجوز ،
يكره الضوء كما تكره أنت الظلمات
-------------------


- أعطوا لقيصر ما لقيصر ،
وللاله ..
ما للاله !
- فما الذى تعطى لنا ؟ !
- ماذا تبقى عندكم ؟
- لم يبقى شىء ..
- فاهنأوا .. طوبى لكم !

-----------------

يارب صاحب امانه نبعته مرسـال
للمسـئولين اللى فوقنا فى السما السـابعه
يقول لهم ع اللى حاصل واللى ما ينقال
وان كانوا يستغربوا يحلف على "الرابْعه "

---------------

..


sherif- 11-01-2004
آمنت بالحب من فيه يبارينى

والحب كالأرض اهواها فتنفينى

انى أصلى و محراب الهوى وطنى

فليلحد الغير ما غير الهوى دينى

نجيب سرور


shadykov- 11-02-2004
كلمات فى الحب
آمنت بالحب .. من فيه يبارينى
والحب كالأرض أهواها فتنفينى
إنى أصلى ومحراب الهوى وطنى
فليلحد الغير ماغير الهوى دينى

ماللهوى من مدى
فاصدح غراب البين
هذى غمود المدى ..
أين المداوى أين ؟!

ألوجد يلفحنى لكنه قدرى
يانار لا تخمدى باللفح زيدينى
أنا الظما إن شكا العشاق من ظمأ
شكوت وجدى إلى وجدى فيروينى

جاء الطبيب وقال :
«أنا العليل .. أنا»
يافرحة العذال
فمن أكون أنا؟

تخذت من وحدتى إلفا أحاوره
من لوعة القلب ترياقا يداوينى
رافقت حتى الفراق لأنه قدرى
فيا رفاقى رأيت البعد يدنينى !

بعدت كى اقترب
وقربت كى ابتعد
ياويحه المغترب
ما للهوى من بلد !

ياقلب بالله لا تسكت فإن مدى
من القرون غراماً ليس يكفينى
صفق وزغرد وقل هاتوا سهامكم
يا ليت كل سهام العشق ترمينى
ما نفع نبضك إن لم يستحل دمى
إن لم ترق يا دمى ماذا سيرقينى

مضى الشباب هباء
يا ليت كنا عشقنا
ها نحن أسرى الشقاء
فى العشق هلا أفقنا !!

هجرتكم وشبابى فى الدماء لظى
وجئتكم وحريق الشيب يطوينى
سلوا الليالى هل ضنت بنائبة
سلوا النوائب .. يادور الطواحين !
آمنت بالحب من فيه يبارينى
والحب كالأرض أهواها فتنفينى

* * *



jarelkamar- 08-15-2007
بالأمس عدت فى الصباح
من رحلة الضياع فى المدينة
كان الصباح مثل وجه قرد
والشمس مثل إست قرد
وحين كنت أعبر الطريق
كادت تدوسنى سيارة
كأنها تخالنى إنسان
ياغابة النعال
..
كان عظيم
!!

shadykov- 08-27-2007
نجيـب ســرور
الفنـان الرقيـق.. المنــاضل العنيـد
"عــاقــلٌ رغـم أنــوفكــم"


--------------------------------------------------------------------------------

في معرض حديثه عن العديد من كتاب وشعراء مصر ذوي الأصول الفلاحية الفقيرة والذين نشأوا في بيئات الحرمان والاضطهاد الطبقي والأمية والبطـالة يصف الكـاتب المصري (صلاح عيسى) القرية المصرية بأنهـا "المشتل المتجـدد للقيم والمواهب".. وبالفعل فقد عرف الأدب العربي وتاريخ الحركـات السياسية المناهضة للاستعمار والديكتاتوريات والرجعية العديد من الأدباء والمفكرين والمناضلين والفنانين الذين أثــْرتْ بهم الحياة وتجمهر حولهم المضطهدون والمتطلعون إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والتطور..

نجيب سـرور واحد من هـؤلاء..

فقد ولد في عام 1932 في قرية فلاحيـة صغيرة تقتات بجني مـا يزرع أهلها ومـا يربون من الدواجن والمواشي بعيدا ً عن أية رعاية حكومية وترسل أبنـاءهـا بقليل من الحماس إلى المدارس الحكومية المجانية المكتظة بالتلاميذ يتعلمون بشروط بائسة القليل من المعرفة والعلم بعكس مدارس المدن الكبيرة أو المدارس الخاصة المكلفة.. ولكن مـا يتعلمه فتى مرهف الإحساس و كبير القلب وإنساني المواقف من أدب وشعر ولغة وتاريخ وفلسفة خلال المرحلة الثانوية مثل نجيب سرور كـاف لخلق الشاعر والفنـان الذي يتحدى الظلم والاضطهاد وهو يراه بعينيه الواسعتين وقلبه الحار قولا ً يتحرض بسببه زمـلاؤه إلى جـانبه ضد الظلم والقهر والاستغلال.. فكانت ولادة الشاعر المناضل الفتي الذي سرعـان مـا ظهرت مواهبه الفنية الأخرى.. فالشعر كلمـة سهلة التكوين وسريعة الوصول والمسرح هو الفضاء الآخر الأكثر رحابة وتأثيرا ً في حياة الناس.. يـُدخلـُهم إليه ليـُريهم مـا لا يرونه في حياتهم المعتادة.. إدراك نجيب أهمية عالم المسرح بالنسبة لقضيته الأولى، النضال من أجل كشف الحقيقة سعيا ً للحرية والعدالة، جعلته يترك دراسته الجامعية في كلية الحقوق قبل التخرج بقليل والالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية الذي حصل منه على الدبلوم في عام 1956 وهو في الرابعة والعشرين من العمر.

حياة البؤس والحرمان واضطهاد بقايا الإقطاعية من مالكي الأراضي والمتنفذين للفلاحين البسطاء في منطقة (الدقهلية) شمالي القاهرة، حيث نشأ نجيب سرور، تركت بذورا ً ثورية في نفس الفتى الذي امتلأ قلبه حقدا ً على الإقطاعيين وسلوكهم اللا إنساني تجاه الفلاحين.. قصيدة (الحذاء) التي كتبها عام 1956 في قصة تعرض أبيه أمامه وهو طفل للمهانة والضرب من عمدة القرية الذي سماه نجيب (الإله) وكان جشعا ً جلفـا ً قاسي القلب يتحكم بأرزاق الفلاحين وأعناقهم ويقول فيها:

أنـا ابـْنُ الشـــقاء ْ
ربيب ُ الـَّزريبــة و المصطبــة ْ
وفى قـريتى كلهم أشـــقياء ْ
وفى قـريتى (عـُمدة ٌ) كالاله ْ
يـُحيط بأعناقنــا كالقــدرْ
بأرزاقنـــا
بما تحتنــا من حقول حـَبــالي
يـلدن الحيــاة ْ
وذاك المســاء
أتانـا الخفيـر ُ و نـادى أبي
بأمر الإله !.. ولبـَّى أبي
وأبهجني أن يـُقــالَ الإلــــه ُ
تنـازل حتى ليدعـو أبى !
تبعت خطــاه بخـطو الأوزِّ
فخورا ً أتيــه من الكبريــاء ْ
أليس كليــم ُ الالــه أبـي
كموسى.. وإن لم يجئـْـه الخفــيرُ
وإن لم يكن مثــلـَه بالنبي
وما الفرق ؟.. لا فرقَ عند الصبى ْ !
وبينــا أسير وألقى الصغار أقول " اسمعوا..
أبى يا عيــال دعــاه الالــه " !
وتنطـق أعينهم بالحســد ْ
وقصرٌ هنــالك فوق العيون ذهبنـا إليه
يقولون.. فى مأتـم شــيدوه
و من دم آبائنا والجدودِ وأشــلائهم
فموت ٌ يطــوف بـكل الرؤوسِِ ِ
وذعر ٌ يخيـم فــوق المـٌقــل
وخيــل ٌ تدوس على الزاحفــين
وتزرع أرجلهــا في الجـثت
وجدَّاتنــا في ليـالي الشــتاء
تحدثـننا عن ســنين عجــاف
عن الآكلين لحـوم الكلاب ِ
ولحم الحمير.. ولحم القطط ْ
.....

ذهبنــا إليه
فلما وصــلنا.. أردت الدخول
فمد الخفــير يدا ً من حـديد
وألصقني عند باب الرواق
وقفت أزف ُّ أبى بالنظــر
فألقـى الســـلام
ولم يأخذ الجالسـون الســلام ! !
رأيت ُ.. أأنسى ؟
رأيت ُ الإله َ يقــوم فيخلـع ذاك الحـذاء ْ
وينهــال كالســيل فوق أبى ! !
أهـــذا.. أبي ؟
وكم كنت أختــال بين الصغــار
بأن أبي فــارع " كالملك " !
أيغدو ليعنى بهــذا القصر ؟ !
....

أهـــذا.. أبي ؟
ونحن العيــال.. لنا عــادة..
نقول إذا أعجزتنا الأمور " أبي يستطيع ! "
فيصعد للنخـلة العـاليـة
ويخـدش بالظفر وجــه السـما
ويغلب بالكف عزم الأســد
ويصنع ما شــاء من معجزات !
أهـــذا.. أبي
يـُســام كأن ْ لم يكن بالرجــل
وعـدت أســير على أضــلعي
على أدمعي.. وأبث الجــدر
" لمـاذا.. لمـاذا ؟ "
أهلت الســؤال على أميــه
وأمطرت في حجرهــا دمعيــه
ولكنهــا أجهشــت ْ باكـيهْ
" لمـاذا أبي ؟ "
و كان أبي صــامتا في ذهول
يعــلق عينيــه بالزاويـة
وجـدِّي الضــريرْ
قعيـد ُ الحصــيرْ
تحسـَّسـَني و تولـَّى الجـواب ْ :
" بنـي َّ.. كذا يفعل الأغنيــاء ُ بكل القرى " !

كــرهت ُ الإله..
وأصبح كل ُّ إله لدى بغيض َ الصــَّعرْ
تعلمت ُ من يومهــا ثــورتي
ورحت أســير مع القـافلة ْ
على دربهــا المدلهــمِّ الطــويل
لنلفـى الصــباح َ
لنلقـى الصــباح !

بتركه كلية الحقوق ودراسته وتخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية تبدأ علاقات نجيب المتميزة مع الكتاب والأدباء والمفكرين والمناضلين والفنانين من خلال أعمـال مسرحية شعبية برز فيهـا كمؤلف وممثـل ومخرج لافتــا ً الأنظـار إلى عبقرية نـادرة.. ولكن أحـدا ً لم يكن يتخيـل مستقبله الفني ولا مصيره الحزين.. أما سياسيا ً فقد كان في البداية يخفي انتماءه إلى جماعة (حدتو) الشيوعية قبل سفره في بعثة حكومية إلى الإتحاد السوفييتي لدراسة الإخراج المسرحي من عام 1958 وحتى عام 1963 حيث أعلن هناك تدريجيا ً ميله للماركسية ما كان له أثر سلبي لدى مجموعة الطلاب الموفدين الذين حرضوا السفارة المصرية ولفقوا التقارير ضده وفي نفس الوقت تحول تساؤل الشيوعيين العرب عن كونه يحمل الفكر الماركسي في حين أنه موفد ضمن بعثة حكومية إلى شكوك أقلقته وأثارت في نفسه اكتئابا، وهو الإنسان الثوري الوجداني الصادق الواثق بالفكر والحزب والشيوعيين.. هذه المعاناة جعلته يبالغ في تأكيد صدقه ونفوره من مجموعة الموفدين وعدم ارتباطه بأية جهة غير شيوعية عن طريق تشكيل مجموعة (الديمقراطيين المصريين) في السنة الدراسية الثانية عام 1959 وتعمد المشاركة في الحياة الطلابية وإلقاء الخطب الحماسية والبيانات ضد النظام الديكتاتوري وسياسة القمع في مصر وسوريا والتي امتلأت بسببها سجون البلدين بالآلاف من أبناء الوطن الشرفاء من عمال وفلاحين ومثقفين. عندها فقط أزيلت الشكوك عن نجيب الذي سرعان ما أحاطه الشيوعيون من بلدان الشرق الأوسط بالمحبة والدعم وساعدوه بالتعاون مع إدارة الجامعة لحل مشكلة المنحة الحكومية المسحوبة وإبقائه في موسكو بمنحة حزبية أممية.

عن نجيب سرور وسيرة حياته في موسكو يتحدث أقرب أصدقائه إليه الدكتور أبو بكر يوسف الذي تعرف إليه وعاصره في فترة دراسته في كلية الآداب بجامعة موسكو الحكومية فيقول:

" منذ أن تعرفت بنجيب سرور أحست بأنني مشدود بهذه الشخصية الفـذة كقطعة حديد إلى مغناطيس قوي. كان فارق السن بيننا غير كبير، إذ كنت فى العشرين، و كان هو فى أواخر العشرينيات، و لكن الفارق فيما عدا ذلك كان هائلا. كان نجيب- بالنسبة إلي على الأقل- كنزاً لا يفنى من المعرفة، وشخصية متعددة المواهب إلى درجة خارقة. فقد كان ممثلا ً وشاعرا ً ومخرجا ً وناقدا ً وكاتباً وكانت معرفته بالأدب العربي والغربي واسعة. ولكثرة ما لاحظت فى أشعاره من استشهادات بالتاريخ و الأساطير المسيحية ظننته في بداية تعارفنا مسيحيا ً، خاصة وأن الاسم (نجيب سرور) أقرب الى الأسماء المسيحية فى مصر. و تحرجت أن أسأله، و لكنه ملأ أمامى ذات مرة استمارة إقامة فرأيت جواز سفره، و كان اسمه فيها (محمد نجيب محمد سرور هجرس)! و فيما بعد لمست كيف كان يستلهم فى أشعاره التاريخ و الأساطير الفرعونية و الإغريقية و الشعبية المصرية والفلكلورية العربية، إذ كانت الروافد الثقافية المختلفة تمثل لدى نجيب نهرا ً إنسانيا ً عريضا ً يغترف منه كيف يشاء . أما الإنتماء الديني فكان مسألة تركها وراء ظهره! "

ويضيف الدكتور أبو بكر يوسف:

" وكان نجيب شخصية معقدة، ولكنها فى غاية الغنى والعمق، منطلقة و مرحة إلى أقصى حد. كان لا يكف عن إلقاء النكات والقفشات الفورية، بنت الساعة. وحتى فى ذروة الجد و احتدام النقاش تفلت رغما عنه، فينفجر الحاضرون بالضحك، وينفرط عقد التزمت والجدية."

شخصية نجيب سرور، كمـا رصدهـا الدكتور أبو بكر يوسف خلال السنوات الخمس من صداقتهمـا اليومية في موسكو وبعدهـا من خلال الاتصالات المستمرة معه وهو في هنغاريا ثم في مصر، مثيرة رغم جانب البساطة الكبير فيها.. فنجيب، الإنسان صاحب العقل الراجح والقلب الكبير والأحاسيس الصادقة تجاه الناس والوطن، يتعرض إلى المتاعب العديدة لأسباب تتعلق بمنهجه في الحياة وكتاباته ومداخلاته مما ينتزعه أحيانـا ً من حالة الوداعة والظرافة المعتادة إلى حالة الاضطراب والغضب والسرعة في اتخاذ القرار.. أغلب الظن أن ذلك مردُّه حالة الإحبـاط الناجمة عن اكتشافه المفاجيء للكثير من الحقائق السلبية عكسا ً لتوقعاته وثقتـه.. لذلك وجدنـا نجيب سرور، الملاحـَق والمتـَّهم من قبل أجهزة الأمن في مصر بسبب أشعاره ومقالاته وخطبه، إضافة إلى منحته الدراسية الملغاة وجواز سفره المسحوب وعشرات التقارير الأمنية ضده، يسـارع إلى مغادرة موسكو بطريقة غاضبة بسبب ملابسات كان من الممكن حلـُّهـا، إلى بودابست التي لم يطق البقاء فيها أكثر من سنة بسبب مـا واجهه من تعامل سيء من قبل من وصفهم بذوي الفكر الصهيوني المتغلغل في صفوف وهيئات الحزب الشيوعي الهنغاري، وقد عبر عن موقفه من ذاك الواقع المخزي بقصيدته الشهيرة (المسيح واللصوص)، فقفل راجعـا ً إلى القاهرة عـام 1964 ليبـدأ مرحلة أخرى من حيـاته مختلفة شكـلا ً وممـاثلة جوهرا ً.

حنين نجيب إلى مصر لم يخفه حقده الكبير على السياسيين وضباط المخابرات الذين ناله منهم مـا اضطره إلى قبول حالة النفي المحدودة التي عاشهـا. وقد عبر عن حالة الإحباط واليأس والتخبط وهو في موسكو قبيل مغادرتهـا إلى بودابست في قصيدة قـال فيهـا:

يا مصر
يا وطنى الحبيب ْ
يا عشَّ عصفور رمته الريحُ فى عش ٍ غريبْ
يا مرفئي
آتٍ انــــــــا آتٍ..
و لو فى جسميَ المهزول آلافُ الجراحْ..
و كما ذهبتُ مع الرياح..
يومـــا ً أعودُ مع الرياح..
و متى تهبُّ الريح ُ
أو هبـَّتْ
فهل تأتى بما يهوى الشراع ْ ؟
ها أنتَ تصبحُ فى الضيــاع ْ
فى اليأس..
شاة ً عاجزة ْ..
ماذا لها إن سـُلـَّتِ السكينُ
غيرُ المـُعجزة ْ ؟!
فهو أمام كرهه للمنفى وحبه العميق الصادق لوطنه لا يستطيع أن يخفي رغبته الجامحة بالعودة دون اكتراث بما سيلقاه من مصير وما سيواجهه من متاعب. ثم إنه لا يخفي ما أقلقه في المنفى من حالة ابتعاد عن أهم مقدساته وهو الكلام (لزوم ما يلزم):

يا سيداتى معذرة..
أنا لا أجيد القول ، قد أُنْسِيتُ في المنفى الكلام
وعرفتُ سرَّ الصمت.. كم ماتت على شفتيَّ في المنفى الحروف
الصمت ليس هنيهةً قبل الكلام ،
الصمت ليس هنيهة بين الكلام،
الصمت ليس هنيهة بعد الكلام،
الصمت حرف لا يخط ُّ ولا يقال
الصمت يعنى الصمت.. هل يعنى الجحيم سوى الجحيم ؟ !
شخصية نجيب الإنسان المناضل والفنان والشاعر والأديب تكونت في مصر وصـُقلت في موسكو من خلال الحياة السياسية والثقافية والفنية التي رمته في بحار الأدب والفلسفة والتاريخ فالتهم مصادرها بنهم.. والغريب، كما يفيد الدكتور أبو بكر، أن نجيب لم يستطع استخدام اللغة الروسية في المحادثة بشكل جيد وكان يكره قواعدها الصعبة وتـُضحك زملاءه كلماتـُه بنهاياتها الإعرابية الخاطئة والتي كان يفسرها على أنها (الحالة الإعرابية السابعة)، ومع هذا فقد كان يقرأ بسرعة فائقة وجلد نادر غالبا ً ما يصاحبه توتر ذهني وحالة عصبية تزيدها مبالغته في تناول المنبهات. أحد الدلائل على قراءته ومحبته للأدب الروسي ترجمته لمسرحية الأديب الروسي أنطون تشيخوف (بستان الكرز) بالتعاون مع صديقه الحميم ماهر عسل في العام 1964.

الرصيد الثقافي الكبير عند سرور أثرى رؤياه الفلسفية وتحليلاته ومنهجيته المادية وعمق نظرته إلى الأشياء. شواهده في قصائده بالعامية والفصحى وفي أعماله المسرحية تنم عن اكتنازه سيولا ً من المعرفة وعن ذاكرة قوية وذكاء خارق..

في موسكو كتب نجيب دراسات نقدية ومقالات ورسائل وقصائد نـُشر بعضها في مجلات لبنانية أما ما لم ينشر عند كتابته فقد جمع بعضه فيما بعد ونشر بواسطته أو بمبادرة من أصدقائه بعد وفاته وترك الآخر كما هو في مكتبة بيته.. مثل:

رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ - دراسة طويلة كتبها عام 1959 ونشر فصولاً منها في المجلة اللبنانية (الثقافة الوطنية) 1959 ثم جمعها وقام وقدم لها محمد دكروب وصدرت في سلسلة (الكتاب الجديد) - دار الفكر الجديد، بيروت 1989 ثم أعيد نشرها كاملة عن دار الفارابي عام 1991

أعمـال شــعرية عن الوطن و المـنـفي - ديوان كتب قصائده في موسكو وبودابست بين 1959 و 1963 و لم ينشر.

عن الإنســان الطيب - ديوان كتبه في مـوسـكو فيما بين 1959 و 1963 و لم ينشر

رسـائل إلي صـلاح عبد الصـبـور - كتبها في مـوسـكو بين 1959 و 1963 و لم تنشر.

ولع نجيب بالأدب والفلسفة وشغفه بالقراءة وكتابته للشعر بالعربية الفصحى لم يكبت رغبته الدائمة بمخاطبة الناس عبر المسرح.. كان التمثيل في نظره أداة التعبير الأكثر نجاعة.. ويقول أصدقاؤه بأنه لم يلقِ عليهم قصائده بل قام بتمثيلها.. وكان له من المهارة في الأداء والتحكم بتعابير الوجه وحركة اليدين ما يشد الناس إليه فينشدوا بكليتهم إلى موضوع القصيدة أو الحديث مثيرا عواطفهم ومشاعر الحب أو الكراهية والضحك أو العبوس وتدفق الدموع حسب الموقف. أي موضوع عند نجيب سرور هو مادة يسخرها لربط الأمور وتسليط الضوء على أسباب معاناة الناس والظلم والاستغلال والتخلف..

هذه البراعة عند نجيب سرور أساسها دراسته لفن التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة وقد حرص على التعرف في موسكو على المدارس المختلفة في الفنون المسرحية وانتقاء منها ما يريد بحرية وشجاعة ودون قيود فأصبح بعدها يتوق إلى العودة إلى مصر ليلتحم بشعبه ورفاقه وطليعة المثقفين المصريين ويقوم بدوره النضالي من أجل أن تحيا مصر ويسعد شعبها.

مع وصول الفنان والشاعر المناضل إلى مصر عام 1964 تبدأ حياته الفنية والأدبية والسياسية، التي استمرت قرابة الأربعة عشر عاماً حتى وفاته المبكرة جدا ً في خريف عام 1978 متراجحة بين النجاح والمعاناة الشديدة، بكتابة وتقديم النصوص الدرامية ومسرحياتها، استهلها في عام 1965 بعمل مسرحي من إخراج (كريم مطاوع) وتحمل عنوان (ياسين وبهية) وهي رواية شعرية كتبها في بودابست قبل عام واعتبرها الجزء الأول من ثلاثية ضمـَّت (آه يا ليل يا قمر)، المسرحية الشعرية التي كتبها عام 1966 وأخرجها جلال الشرقاوي عام 1967 و (قولوا لعين الشمس)، مسرحية نثرية في ثلاثة فصول، كتبها عام 1972، وأخرجها توفيق علي عام 1973.

ويستمر عطاء نجيب سرور في المسرح فيقدم مسرحية (يا بهية وخبريني) عام 1967 بإخراج كرم مطاوع ثم (آلو يا مصر) وهي مسرحية نثرية، كتبت في القاهرة عام 1968 و(ميرامار) وهي دراما نثرية مقتبسة عن رواية نجيب محفوظ المعروفة من إخراجه عام 1968. ويستمر تألق نجم نجيب سرور مع هذه الأعمال التي نشرت معظمها كتبا ً أثـْـرت المكتبة المسرحية العربية في طفرة الصعود في السبعينات.

في عام 1969 يقدم نجيب سرور من تأليفه وإخراجه المسرحية النثرية (الكلمات المتقاطعة)، التي تحولت فيما بعد إلي عمل تليفزيوني أخرجه جلال الشرقاوي ثم أعاد إخراجها للمسرح شاكر عبد اللطيف بعد عشر سنوات واستمر تألق هذا العمل الفني حتى عام 1996.

وفي عام 1969 قدم المسرحية النثرية (الحكم قبل المداولة) وكتب المسرحية النثرية (البيرق الأبيض) وفي عام 1970 قدم (ملك الشحاتين) وهي كوميديا الغنائية مؤلفة بالاقتباس عن أوبرا "القروش الثلاثة " لبرخت و (الشحاذ) لجون جاي من إخراج الشرقاوي.

تتجدد معاناة نجيب سرور بشدة في العام 1971 لدى قيامه بكتابة وإخراج العمل المكرس لمذابح أيلول الأسود في الأردن بعنوان (الذباب الأزرق) وجاءت بقالب الكوميديا السوداء، إذ تم منع عرض هذه المسرحية من قبل أجهزة الرقابة في القاهرة. ثم كتب في العام 1974 المسرحية الشعرية (منين أجيب ناس) وقد عرضت في نفس العام أعقبها بمسرحية نثرية لم تعرض وتحمل العنوان (النجمةْ امُّ ديل) ثم بالدراما الشعرية المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لشكسبير وحملت العنوان (أفكار جنونية في دفتر هملت).

معظم أعمال نجيب الدرامية طبعت ونشرت بشكل فردي وكذلك ضمن مجموعة الأعمال الكاملة التي صدرت عام 1997.

أغلب أعماله الشعرية كتبها فرادى خلال فترات متباعدة ثم جمعها في دواوين أو مجموعات. فالمجموعة الشعرية (التراجيديا الإنسانية) كتب بعض قصائدها في مصر منذ 1952 وضمنها قصائد أخرى كتبها في موسكو قبل سفره إلى بودابست وقد أصدرتها "المصرية للتأليف والنشر والترجمة" عام 1967. والمجموعة الشعرية (لزوم ما يلزم) كتب قصائدها في هنغاريا في العام 1964 وصدرت في العام 1975.

أما أعماله الشعرية في موسكو وبودابست (1959 – 1963) والتي سمَّـى ملفها (عن الوطن والمنفى) فلم تـُنشر..

كتب نجيب سرور رباعيات وقصائد هجائية باللغة الشعبية المصرية ضمنها غيظه وحقده على الكذب والنفاق والخداع الذي اتسمت به السياسة العربية بعد حرب السادس من حزيران واستهجانه للمثقفين العرب الذين صمتوا عن قول الحقيقة أو باعوا أنفسهم لدوائر السياسة.. كتبت هذه الرباعيات المثيرة خلال خمسة أعوام كان آخرها في العام 1974 وتم تبادلها سرا ً في محيط الأصدقاء الضيق وهي تحمل عنوانا ً حذفت منه اللفظة غير المقبولة واصطلح في معرض الحديث عن أعمال سرور على تسمية هذه الرباعيات بـ (الأميـَّـات) دون أن تنشر ورقيا ً. يجمع النقاد على أن هذه الرباعيات التي كسر نجيب في صياغتها الحواجز والخطوط الحمراء تشير إلى حالة الإحباط الكبير الذي ألم بالشاعر العبقري والمناضل العنيد خاصة إبان حكم أنور السادات.

في عام 1978 صدر للفنان (بروتوكولات حكماء ريش) وهي عبارة عن أشعار ومشاهد مسرحية و (رباعيات نجيب سرور) التي كان قد كتبها بين عامي 1974 و1975.

استمر عطاء نجيب سرور حتى وفاته فقد كتب ديوان (الطوفان الكبير) وديوان (فارس آخر زمن) عام 1978 ولكنهما لم ينشرا حتى صدرت أعماله الكاملة في العام 1997.

ولنجيب باع كبير في النقد الأدبي والمسرحي. فبالإضافة إلى عمله الكبير (رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ) هناك الكثير من المقالات النقدية مثل (تحت عباءة أبي العلاء) و(هكذا قال جحـا) و(حوار في المسرح) و (هموم في الأدب والفن) وغيرها مما لم ينشر في حينه أو نـشر في الصحف والمجلات المصرية واللبنانية وغيرها..

مع بدايات نجيب سرور تجد نفسك أمام فنان مرهف الإحساس محب لجميع الناس، صدره واسع، ربما عصبي المزاج أحيانا ً ولكنه ظريف ومرح غالبا ً. وفي نفس الوقت تدرك الرصيد الثقافي الكبير عند شاعرنا الذي لا يوفر فرصة للربط الفلسفي والتاريخي وسرد الشواهد من التاريخ والأسطورة ليثبت ما يريد أن يقول.

في أول قصائد التراجيديا الإنسانية (حب وبحر وحارس) نقرأ:

كانوا قالوا: " إن الحب يطيل العمرْ "
حقا.. حقا.. إن الحب يطيل العمرْ ! !
حين نحس كأن العالم َ باقـة ُ زهر ْ
حين نشفُّ كما لو كنا من بللور ٍ
حين نرقُّ كبسمة فجر ْ
حين نقول كلاما ً مثل الشعرْ
حين يرف ُّ القلب كما عصفور ْ..
يوشك يهجر قفص الصدرْ..
كي ينطلق َ يعانق َ كلَّ الناس !
كنا نجلس فوق الرملة ْ
كانت في أعيننا غنوة ْ
لم يكتبـْها يوماً شاعر..
قالت :
-.. صف لي هذا البحرْ !
- يا قبـَّرتي.. أنا لا أُحسـن فن الوصفْ
- وإذن.. كيف تقول الشعر ؟ !
- لست أُعدُّ من الشعراءْ
أنا لا أرسم هذا العالم بل أحياه ْ
أنا لا أنظم إلا حين أكاد أُشــل ْ
ما لم أوجز نفسي في الكلمات
هيا نوجزْ هذا البحر
- كيف.. أفي بيت من شعر ؟
- بل في قبلة ! !
عبر الحارس.. ثم تمطى.. " نحن هنا " !
ومضى يلفحنا بالنظرات ْ
" يا حارسَ.. إنا لا نسرق ْ
يا حارس َ يا ليتك تعشق ْ
يا ليت الحب يـُظـِلُّ العالمَ كلــه ْ
يا ليت حديثَ الناس يكون القبـلة ْ
يا ليت تـُقام على القـِطبين مظلة ْ
كي تحضـن كل جراح الناس
كي يحيا الإنسان قرونا في لحظات "
ومشى الحارس.. قالت " أوجزْ هذا البحر " !
كان دعاء يورق في الشفتين
- يبدو أن الحارس يملك هذا البحر
يكره منا أن نوجزَه في القبلا ت !
- فلنوجزْه في الكلمات..
أترى هل يملك أن يمنع حتى الكلمة ؟ !

فالحب عند نجيب ليس مجرد مشاعر بين الحبيبين وإنما هو حالة إنسانية يتمناها للجميع مظلة ً عند القطبين تحتضن كل الناس.. ويضيف في قصيدته الثانية:

" قبرتي.. لا يعلو شيءٌ فوق الكلمة"

وفي القصيدة الثالثة:

يا قبرتي.. بعـُدتْ عنا عينُ الحارس
هيا نوجزْ هذا البحر
لن ندخلَ في ملكوت الأرض
ما لم نرجعْ يا قبرتي كالأطفال
وعندما تسأله حبيبته عن الجنة والإنسان على الأرض يقول:

.. شقَّ صحارى سبع
ذاق الويل
لاقى كل صنوف الهول
جاع.. تعرى.. عـُلـِّق في السفود
شـُرِّدَ.. طوردَ.. سـُمِّـر فى الصلبان
كـُتـِّف.. أُلقـي للنيران
مات مسيح ٌ يا قبرتي بعد مسيح ٌ
لكن لم يمتِ الإنسان !
كيف يموت..
وهو يرصُّ الـُّطوبة َ فوق الطوب
يبنى في الأرض الملكوت
يصنع يا قبرتي الجنـَّة.. ؟ !

بدايات نجيب سرور الشعرية تشير إلى تفاؤله وثقته بانتصار الإنسانية والخير وانحسار الظلم ونفوذ الظالمين.. في قصيدته (أغنية عن طائر) مثلا ً يتحدث بلسان الثائر السلبي وقد فقد الأمل بمغزى الحياة قائلا ً:

إلام َ نجــيء ثم نروح لا جئـنا ولا رحنـا
إلام َ نعيش ثم نموت لا عشنا ولا متنــــا
هو المنفى إذا كان البقاء قرين َ أن نفنــى

يتامى نحن يـا أطيارْ
دعوا الآهاتِ للأشجارْ
فقد جـُزَّتْ بلا منشارْ!

علام َ نبتنى الأعشاش والحيـَّاتُ فى الأعشاش
إلام َ نسير كالعميان والممشى طريق كبـــاش
وفيم َ الخلف كم منا قتيــل مثــلما من عــــاش
هو الحتف ُ الذي يُصمي برغم الضوء جيش فراش

ويضيف:

إذا كانت أغانينــا تباعــاً مثلنا تـــــروى
وهذا الكون يطوينا فهل في مرة يـُطوى
فما الجدوى.. فما الجدوى.. فما الجدوى

ثم يخاطب المتشائم منبهـا ً ومؤكدا ً على دور الفن في معنى الحياة ً:

رويدا أيها الثائر ْ
فليس القدر الساخرْ
ولكن دوما ً الشاعرْ !

إذا ما الطائر الصدَّاح قد هدهده اللحن ُ
ورفت نسمة ُ الفجر على أشجانه تحنو
هناك السحر والأحلام والألحان والفن

في قصائد ديوانه ذي الموضوع الواحد (لزوم ما يلزم) يعالج موضوع العلاقة بين الناس والحياة مؤكدا ً كرهه للنفاق والجبن بقدر ما هو يعشق الحقيقة. وهو يستخدم دون كيخوت وحبيبته دولسين الوهمية ليقدم فلسفته في الشجاعة والبطولة متهما ً فرسان هذا العصر باللصوصية:

" هو لم يمت بطلاً ولكن مات كالفرسان بحثاً عن بطولة..
لم يلق في طول الطريق سوى اللصوص ،
حتى الذين ينددون كما الضمائر باللصوص..
فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص ! " .

ويضيف بصيغة حوارية محملا ً الناس، ويقصد بهم أولئك المفترض أنهم معنيون بالنضال من أجل الخير، مسؤولية الضعف والانكسار:

إنا لتـُعجزُنا الحياة..
فنلومها.. لا عجزنا ،
ونروح نندب حظنا ،
ونقول : هذا العصر لم يخلق لنا !
- هو عصرنا !
- لكننا لسنا به الفرسان.. نحن
قطيع عميان يفتش فى الفراغ عن البطولة ،
والأرضُ بالأبطال ملأى حولنا !
- ملأى.. ولكن باللصوص !
- الكأس حقاً نصف فارغة فماذا لو ترى النصف المليء ؟ !
لو لم تكن في العالم الأضداد ما قلنا : " عظيم أو قميء " !
- إني لأعلم.. غير أن الزيف يغتال الحقيقة !

ويصل بنا إلى أن حياة الجبناء مليئة بالخزي ولن نصل إلى الحقيقة من دون إقدام:

قل ما تريد لمن تريد كما تريد متى تريد..
لو بعدها الطوفان قلها في الوجوه بلا وجل :
" الملك عريان ".. ومن يفتى بما ليس الحقيقه..
فليلقني خلف الجبل !
إنـي هنالك منتظر..
والعار للعميان قلبـا ً أو بصرْ ،
وإلى الجحيم بكل ألوان الخطرْ !

(بروتوكولات حكماء ريش) هي حوارية ضدَّين مؤلفة من ثماني قصائد صيغت بقالب المشاهد لتعبر عن منهجية وسياسة أصحابها وهم الحكماء من الشعراء والكتاب والفنانون والرسامون وغيرهم من الذين أبرموا هذا الاتفاق ووقعوا هذه البروتوكولات في مقهى ريش، المعروف في القاهرة كملتقى للمهتمين بالفن والأدب، الحقيقيين منهم والأدعياء.

يافرسانَ الأمس ِ..
غير الأمس مع الفرسان..
خلف غيوم اليأس ِ..
فإلى مقهى ريش..
كلُّ العالم مقهى ريش..
كلٌّ يـُغرق عاره..
في أغوار الكأس ِ ! .

بعد حرب أكتوبر وما تلاها من مساع ٍ عربية موجهة من قبل الغرب وبرعاية أمريكية بدأت سياسة الانفتاح الاقتصادي في البلدان العربية المعروفة في النصف الثاني من السينيات بتشددها تجاه القطاع الخاص تكريسا ً لمباديء الاقتصاد المنهجي والسياسة الشمولية ورأسمالية الدولة، وبرزت آثارها جلية على الشارع المصري وفي كافة مجالات الحياة وتأثر الناس بها مكونين مجتمعا ً استهلاكيا ً يستمتع بالطـُّعْم دون أن يشعر بالافتراس الذي جـُندت لسن قوانينه الجديدة شرائح من الأفراد الأنانيين والطفيليين شاركهم أرباحهم وسهـل لهم أمورهم موظفون كبار وأصحاب نفوذ ومدراء دوائر حساسة مما خلق البيئة الملائمة للفساد وتحين الفرص وتكريس الجهل وتكدس الأموال في جيوب حفنة قليلة على حساب فقر ٍ مدقع سحق الملايين فازداد الصراع الطبقي حدة.. ثقافة المجتمع الاستهلاكي احتلت الساحة مروجة لمفرداتها وأزيائها وصرعاتها ومراسمها الجديدة وبرز فنها وأدبها السطحي والتافه على حساب الأدب الإنساني والفن الراقي المرتبط بحياة الناس وكفاحهم من أجل الحرية والعدالة. في هذه الفترة ظهرت (بروتوكولات) نجيب سرور لتعبر عن السخرية مما سمي بالحياة العصرية وما يحيط بها من تفاهات وسطحية وانتهازية وخرق لمفاهيم الناس البسطاء في المجتمع الفلاحي وتسويق للبذاءة والدعارة وعصاباتها التي أصبحت الحدود لها مفتوحة وتأتيك من عواصم العالم..

لا تصمت أبدا.. إن الصمت جهاله..
واحذر أن تتكلم في الموضوع
لا موضوع هنالك
إن الفلك اليوم عطاره
كن فيهم "خضر العطار"

...

البحر سباق
والموجات ألــوف
"الموجه تجري ورا الموجه
عايزة تطولها "
عجـِّلْ واركبْ أيــَّة موجه
فالأيام دول..
ويلٌ للبسطاء ذوي القلب الأبيض..
حين تفاجئـُهم أنواء ُ الطقس..
الناس اثنان
واحـد ُ ينجو في الطوفان..
والآخر يغرق في كأس..
" إنـي أغرق..
أغرق.. أغرق في هذا الكأس"

.....

يا أيتها المستشرقة المزعومة
والعطشى لأحاديث الفرسان
فرسان الأمس الخصيان
الفكر بخير.. ْ
والأدب بخير ْ..
والفن بخير ْ..
ونحن بخير ٍ لا تنقصنا غير َ..
مشاهدة القرده..
من أبناء يهوذا..
في أقنعة المستشرق والمستغرب..
بجوازات السفر الصادرة بأورشاليم..
والمنسوخة في باريس..
والمختومة في بيروت..
والقادمة إلينا من واق الواق..
سائحة في حر الشمس..

حقد نجيب سرور الدفين على العنصرية الصهيونية قديم وقد فجره سابقا ً وهو ما يزال طالبا.. ولكنه مع زملائه (حكماء ريش) يصب جام غضبه على الشارع المصري الذي أصبح مرتعا ً للإسرائيليين القادمين بثقافاتهم القذرة وبضائعهم المزيفة وألاعيبهم ومهماتهم السرية في التجسس لصالح إسرائيل:

يا سيدتي الأفعى..
اللهجة من أعماق الشـَّام..
لكن العبرية َ بومٌ ينعق في ذيل الكلمات !
وأنا أذني يقظة ْ
لا تخطيء زحف الأفعى..
من رهط يهوذا
في أي قنــاع !
ما حاصل جمع المعلومات..
حتى الآن..
من ثرثرة الخصيان..
فرسان الأمس..
عشـَّاق السوق الصحفية..
في بيروت !
ذات التمويل المجهول
أو المعلوم ؟!
- القوم عطاش ٌ للجنس -
كم فروج دانمركي
ذُبح وروقب.. ثم استنزف..
حسب شريعة موسى والتلمود..
والتوراه..
بغلاف "الموعد" و "الشبكة"
و "الصياد"
و "رجوع الشيخ"
و "الفاشـوش "
لا تقتلْ.. بدءُ وصايا عشرْ..
يقصد موسى..
"لاتقتلْ إلا.. غير يهوديّْ "
ويـلٌ للفروج الدانمركيّْ..
آهاً.. هاملت..
سبق السـم ُّ السيف ْ
سبق العـزَلُ السيف ْ..
نم يا هملت !

وفي بروتوكول آخر يقول:

هذا عصر يـَهتك فيه الفأرُ..
عرضَ الفيل !

...

فلـْتمرحْ في الأرض الفــئران!
هذا عام الفيل ْ !

ثم يعود ليذكرنا بالنزاهة وصوت الحق:

ألحقَّ أقول لكم..
لا حقَّ لحيًّ إن ضاعتْ..
فى الأرض حقوق الأمواتْ..
لاحق لميت إن يـُهتك ْ..
عرضُ الكلمات !
وإذا كان عذاب الموتى
أصبح سـِلعه..
أو أُحجية ً.. أو أيقونه..
أو إعلانـا ً أو نيشانـا..
فعلى العصر اللعنة..
والطوفان قريب !
الأبطال..
بمعنى الكلمة..
ماتوا لم ينتظروا كلمه..
ما دار بخلد الواحد منهم..
حين استشهد..
أن الاستشهاد بطوله..
أو حتى أن يـُعطي شيئاً..
للجيل القادم من بعده..
فهو شهيدٌ لا متفلسفْ
ماذا يتمنى أن يأخذ..
من أعطى آخر ما يملك..
في سورة غضب أو حب ؟!

قصائده (إحباطات شعرية) تعكس حالة من اليأس والنفور من عالم بلا عدل ولا حب ولا جمال.. حتى الطيور هربت من أعشاشها:

وها أنا أغوص في رمال الصمت..
واختنق .
العش يحترق..
ويهرب العصفور..

ثم:

ألليل أخطبوط !
مدينتي في الليل تدَّعي الهدوء..
لكنني أمــوء..
كقطة جريحة في البرد..
مدينتي أبـراج..
والبرد كالكرباج..
مشيت طول اليوم..
كما مشيت كل يوم..
في الليل والنهار..
بغير مأوى يا مدينة السـُّواحْ..
يا جـُعبة الجرَّاحْ !
هذا الهدوء مصطنعْ..
والوحش يستريح..
لكي يقوم في الصباح..
يستأنف الهجوم !

: الإخطبوط

- بطاقتك !
- تفضلوا !
- ما مهنتك !
- كثيرة هي المهن !
لكنه النصيب !
- ما حرفتك ؟
- قد أدركتني حرفة الأدب !
أنا أقول الشعر !
- وتكتب الأشعار ؟
- وآسف أنا !
ألم أقل هو النصيب ؟!
- هو التشردُ.. الشـَّغبْ..
هيا معي
.................

ويثقب الصباح نافذة..
هذا أنا فـي الحبس !
الليل والنهار أخطبوط

ويختم قصائد الإحباط بقوله:

يـا للعصر اللـَّولبْ
فلنبـدأ من حيث بـدأنا !!

أما (أميـّات) نجيب سرور التي استغرقت كتابتها خمسة أعوام (1969 – 1974) فهي قصائد هجائية بقالب الرباعيات وهي عمل خاص وشخصي ولم يقصد نجيب نشره للعامة بقدر ما أراد أن يسجل فيه رغبة دفينة في التعبير عن رفضه للقوانين المقلوبة والنفاق والتصنع وتحكم التافهين بشروط معيشة وإبداع الموهوبين والعباقرة والشرفاء، بلغة تختلف كليـا ً عن لغة الكتابة والأدب المعروفة والمشروعة فجاءت من حيث الشكل عملا ً غير قابل للنشر والتداول ولا حاجة تبرر له ذلك. والعمل بقي محفوظا ً في مكتبة شهدي، ابن الفنان الراحل، لمدة عشرين سنة بعد وفاته دون أن ينشر. في عام 1998 أضاف شهدي نص العمل إلى موقع على شبكة الإنتيرنيت باسم والده منوها ً إلى خصوصيته وقد أثار هذا الإجراء زوبعة كبيرة تعرض شهدي بسببها إلى متاعب كبيرة أمام أجهزة الرقابة والمحاكم في القاهرة.

و(الأميَّـات) جاءت كرد فعل الشاعر على وضع الساحة العربية خلال الفترة من حرب حزيران إلى حرب تشرين مع إسرائيل وما تلاها من اتفاقيات معها. في فترة السبعينيات واجهت نجيب سرور ظروف قاسية للغاية وصل فيها اضطهاده وفصله من عمله مدرسا ً في أكاديمية الفنون في القاهرة إلى التشرد المأساوي ما جعله، وهو الإنسان الذي يكره الصمت والخنوع والاستسلام، إلى كتابة بعض القصائد الساخنة انتقد فيها بشكل لاذع سياسة حكومة أنور السادات تجاه الوطن والشعب وخاصة قمع الحريات العامة وحرية التعبير والتسلط على المثقفين والتنكيل بالشرفاء والوطنيين. تحاملت أجهزة السلطة في حينها على شاعرنا الكبير فلفقت له التهم المختلفة وساقته استنادا ً إلى شواهد كاذبة إلى مستشفى الأمراض العقلية.. وقد تكرر ذلك سعيا ً من السلطة لتحطيم نفسية نجيب سرور، العبقري والمناضل العنيد وذخر الفكر الثوري والإنساني.

عبقرية نجيب سرور يشهد لها تراثـه.. ولكنه قدر المناضلين.. فمثلمـا وقع فوتشيك بأيدي النازيين و شهدي عطية بأيدي الجبناء وأنطون سعادة وفرج الله الحلو والمئات غيرهم بأيدي الجلادين القذرة وقع نجيب سرور، نظرا ً لخطورة لسانه الحر وفكره النير وقدرته العظيمة على التحريض، عدة مرات بأيادٍ مجرمة سواء في بودابست أم في القاهرة.. والشاعر يدفع ثمن فراسته.. فرؤية نجيب لما خلف الصور التي تبدو لنا عادية أوصلته إلى حقائق كان من المستحيل نيل قناعة المعنيين بها في ذلك الوقت ولكن الحياة أثبتت صحتها.. فلنقرأ ما قاله في قصيدته الشهيرة (المسيح واللصوص) بعد تعرفه على الكثير من خلفيات الأمور في هنغاريا، البلد الاشتراكي الأوروبي وقد تغلغل النفوذ الصهيوني في صفوف حزيه وحكومته والتي يتهم فيها المسيح بالتساهل والتسامح مع اللصوص مما أعطاهم الفرصة للاهتمام بمصالحهم والمتاجرة بنفس شعارات المسيح عدوهم. يحاور الشاعر المسيح متسائلا ً ومستهجنا ً طوباويته فيعده بالعودة لتصحيح الأوضاع ويجري الحوار التالي :

- هل تـُصدقُ ما تقولٌ؟
- الأبُّ قال بأنني حتما ً أعودْ
مَلِكاً على أرض البشرْ
لتَسودَ في الناس المسرةُ و السلامْ!
- لو عدتَ.. منذاَ يعرفـُكْ؟
- سأقول: جئتُ أنا المسيحْ!
- سيطالبونكَ بالدليلْ.
- ستكونُ في جيبي البطاقةُ و الجوازْ.
- هذا قليل..
ما أسهـلَ التزويرَ للأوراقِ في عصرِ اللصوصْ.
و لديهمُ (الخبراءُ) سوف يؤكدونْ
أن الهويةَ زائفةْ!
- لكنْ عليها الختمُ..ختمُ الأبّْ..
- يا بئسَ الدليلْ!
سيؤكدُ الخبراءُ أن الختمَ برهانٌ على زيفِ الهوية!
- سأريهمُ هذى الثقوبْ..
في جبهتي - انظرْ- و في الكفينِ ِ.. في الرجلين ِ..
جئتُ أنا المسيحْ !
- سيقول لوقا: قالَ مرقصُ
إنَّ متََّى قال يوحنَّا يقولْ:
"في البدء كانَ الأمرُ إصلبْ
و الآن صار الصلب أوجَبْ!"
حتماً ستُصلبُ من جديد
همْ في انتظاركَ- كلُّ اتباعِكَ، قطعانُ اللصوص-
همْ في انتظاركَ بالصليبْ...
ماذا؟ أتبكى؟ كلُّ شيءٍ مضحكٌ حتى الدموعْ!
العصرُ يضحك من دموعك، من دموعي،
عصرنا عصرُ اللصوصْ
بل أنتَ... حتى أنت لصٌّ!
لو لم تكن ما كان في الأرض اللصوصْ!
حتى أنا لصٌ.. ألم أُخدع طويلا باللصوص؟!

من أعمال نجيب العظيمة (أفكار جنونية في دفتر هـاملت) وهي دراما شعرية قدم لها بما يلي:

" ظل المؤرخون والمحققون والدارسون يبحثون قروناً عن " دفترهاملت " الذي أشار إليه شكسبير في المشهد الخامس من الفصل الأول حتى يمكن حل " لغزهاملت " المحير والمعجز وحسم الخلافات المستمرة والمعارك الموسمية حوله.. وبعد جرد ومسح المكتبات العامة والخاصة وكذلك مكتبات الجامعات والأكاديميات والصالونات والأديرة في جميع أنحاء العالم يئس الجميع من العثور على مخطوط الدفتر حتى ولو في صورة منسوخة أو ممسوخة أو مشوهة أو مختصرة أو محرفة أو متحولة أو مطبوحة أو مصنوعة أو مدسوسة أو مزورة.. كما يحدث عادة وبطريقة منظمة ومدروسة لكنـوز التراث الإنساني المهدد دائماً بالطواريء الخفيـة والدورية.. ورغم هذا تمكن كاتب هذه السطور بطريق الصدفة والحظ وبركة دعاء الوالدين من أن يعثر على نسخة موثوق بها من الدفتر المنشود.. أما لماذا يوثــَّق بها فلأنها النسخة الوحيدة في العالم من ناحية.. ومن ناحية أخرى فعلى من ينكرها أو يشك فيها أن يرجع بها إلى المرحوم شكسبير نفسه! ولهذا نورد الدفتر هنا بنصه " وبلا هوامش " ـ خاصة وقد انتشرت الدفاتر والهوامش في عصرنا هذا الحجري العاشر ـ ونرجو أن يجد فيه المؤرخون والمحققون والدارسون والطلبة ما يمكن أن يكون مفيداً"..

دراسة تراث نجيب سرور وعالمه الإبداعي مهمة ملحة أمام الجامعات والأكاديميات العربية والقوى الثورية واتحادات الكتاب والفنانين في العالم العربي لما يمثله هذا التراث من إثراء للأدب الشعبي والثوري والإنساني في مكانته من حياة الناس وكفاحهم من أجل الحرية والعدالة إضافة إلى المكانة العلمية والفنية التي تحتاج إلى المتخصصين. يذكر بأن بعض الدراسات في عالمه المسرحي صدرت بعد رحيله بفترة طويلة، وربما كان مرد ذلك التردد تأثرا ً بالحملات المتجنية التي حاولت النيل من سمعة شاعرنا الكبير، وتفتقر المكتبة الفنية العربية لدراسات لاحقة في عالمه المسرحي والشعري نأمل أن يبادر المتخصصون المخلصون لإنجازها دون تأخر. والكتب التي صدرت في نجيب سرور حتى الآن هي:

مسرح نجيب سرور - التوظيف الدرامي لأشكال الأدب الشعبي
القاهرة : مكتبة مدبولي ، 1989
المؤلف : عصــام الدين أبو العلا

التراث في مسرح نجيب سرور
القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990
المؤلف : محمد الســيد عــيد

نجيب سرور.. مسرح الأزمة
القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1992
المؤلف: خــيري شــلبي
حالة الإحباط التي رافقت حملات التنكيل بنجيب سرور قبيل وفاته يفسرهـا الصراع الداخلي في نفسه بين الثقة بالعدالة الحتمية والربيع الزاحف من جهة واليأس من الواقع المرير الذي عاشه وأحاط به وبزملائه وأهله والوطن من جهة ثانية.. وربما انتصرت الشخصية المهزومة في داخله في أواخر أيامه على شخصية سبارتاكوس التي ألبسها للفلاح، بطل (ياسين وبهية)، المناضل العنيد الذي كان على استعداد لأن يضحي بحياته من أجل تحرير الآخرين من الظلم والاضطهاد.. لكـأنــه ابتدأ العد التنازلي لما تبقى له في هذه الدنيا من أيام.. وهو الذي قال من قبل:

قد آن يا كيخوت للقلب الجريح
أن يستريح ،
فاحفر هنا قبراً ونم
وانقش على الصخر الأصم :
" يا نابشا قبري حنانك ، ها هنا قلبٌ ينام ،
لا فرقَ من عام ٍ ينامُ وألف عام ،
هذى العظام حصاد أيامي.. فرفقــا ً بالعظام

وهو الذي انتقل، لصدماته المتتالية، من حالة الإيمان بأن الحب يطيل العمر فبه نحسُّ بأن العالم باقة زهر وترقٌّ مشاعرنا ونرقُّ لنصبح كنسمات الفجر الناعمة وتتحفز قلوبنا للخروج من الصدور كي تعانق الناس محبة ً وتضامنــاً فنوجز البحــر بقبلة ْ.. إلى حالة التساؤل:

(البحر بيضحك ليه ؟..البحر غضبان ما بيضحكش.. أصل الحكاية ما بتضحكش..!! ) القصيدة الشعبية التي غناها صديقه الفنان الثوري الراحل الشيخ إمام.

مات نجيب سرور.. وغضب البحر عبوسا ً واسودت السماء فوق (إخطاب) وصمتت عصافيرها عن التغريد حزنـا ً على ابنها الشاب.. وغنى رفاقه الثوريون مرثيته التي خطها بيده من قبل:

" نحن حبـَّات ُ البذار ْ
نحن لا ننمو جميعا ً عندما يأتي الربيع ْ
بعضـُنا يهلك ُ من هول ِ الصقيع ْ
وتدوس البعض َ منا الأحذية ْ
ويموت البعض ُ منا في ظلام الأقــْبية ْ
غير أنـَّا كلــَّنا لسنا نموت ْ
نحن حبات ُ البـِذار ْ
توفي نجيب سرور في 24 أكتوبر 1978 بمدينة دمنهور بمصر عن ستة وأربعين عاما ً تاركا ً جراحا ً لن تندمل. أثار رحيله الباكر اكتئابا ً في نفوس محبيه من الأدباء والفنانين والمفكرين والمناضلين الشرفاء. يقول صديق أيام الدراسة الدكتور أبو بكر يوسف محاولا ً وصف التفسير المنطقي الوحيد لأزمة نجيب ونهايته المأساوية:

"انه مأساة العقل، الذي يحفر كالمثقاب في طبقات الزيف و الأكاذيب ليصل إلى الحقيقة، و لكنه للأسف يواصل الحفر حتى يخرج إلى الجانب الآخر، محدثا ً ثغرة في السد تتسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونة مدمرة ً كل شيء!...

الفنان شمعة تحترق.. لتضيء لنا الدرب إلى الحقيقة والخير والجمال... و نجيب سرور فنان لم يدخر ضوءه فاحترق سريعا ً كشهاب مرق في سمائنا و لكنه ترك في نفسي وفي نفوس الكثيرين غيري أثراً ساطعا ً لا ينسى.. لأنه أثرُ الموهبة المبدعة..."

لأولئك الذين ساهموا عن قرب أو بعد في أي ٍّ من إجراءات التجنـّي اللاأخلاقي على نجيب سرور وكـَيل الإتهـامات وتلفيق القصص وحياكة المؤامرات لاستعداء البعض وإقناع آخرين بتعرض شاعرنا الكبير إلى أزمات نفسية وخلل عصبي توجـَّبَ معها وضعـُه في مصح الأمراض العقلية مما أدى إلى إخضاعه لأبشع أشكـال التعذيب النفسي نقـول:

نجيب سرور عـاقل رغم أنـــوفكم.. ولد عـاقلا ً وموهـوبـا ً وعاش وجـاد فنـا ً وأدبـا ً وشعرا ً وقدرة خارقة على تحريض المظلومين عبر إبداعاته الفنية والأدبية ونـاضل من أجل مصر والمصريين والعرب ومن أجل الإنسانية عـاقلا ً وعبقريــا ً وصمـد بتحـد ٍ أمـام أساليب التنكيل والإهانة في أقبيتكم وخارجها ومــات وهو عـاقل ٌ.. وكـمـا اغتالت الأيادي القـذرة في محطات حزينة سوداء من التاريخ أنطون سعادة وفـرج الله الحلو وتشي غيفارا وغسان كنفاني وناجي العلي وغيرهم من الشرفاء قتلت أنانيتكـم وخوفكـم من الإدانة نجيب سرور مسيحـا ً اصطحب صليبه منذ فتوته ورافقته همومه وهواجسـه لكشف الحقائق إنارة لطريق المضطهدين طوال حياته.. ولن ينسى مفكرو وأدباء وشعراء وفنانو ومثقفو مصر وبلاد الشام والعرب الثوريون العقلاء وكذلك أبنـاء الشعب الطيبون والوطنيون الصادقون شاعرهم وفنانهم الرقيق والمناضل العنيد لأنـه حي في ذاكرتهم وحـاضر في فكرهـم وهمومهم وقضاياهم المصيرية وجليٌّ في إبداعاتهم التي تحمـل قيم النضال ذاتها التي كـانت لنجيب سرور وهو يردد:

نحن حبـَّـات ُ البـذار.. نحيــا من أجــل الربيـع ونموت من أجــل الربيـع.. وستغطى قبورنـا بالسنـابل.. أما أنتم فسيضحك التاريخ منكم والزهور أيها الجبناء !

tabeeb666- 08-27-2007
QUOTE (shadykov @ August 27, 2007 11:15 am)


أنـا ابـْنُ الشـــقاء ْ
ربيب ُ الـَّزريبــة و المصطبــة ْ
وفى قـريتى كلهم أشـــقياء ْ
وفى قـريتى (عـُمدة ٌ) كالاله ْ
يـُحيط بأعناقنــا كالقــدرْ
بأرزاقنـــا
بما تحتنــا من حقول حـَبــالي
يـلدن الحيــاة ْ
وذاك المســاء
أتانـا الخفيـر ُ و نـادى أبي
بأمر الإله !.. ولبـَّى أبي
وأبهجني أن يـُقــالَ الإلــــه ُ
تنـازل حتى ليدعـو أبى !
تبعت خطــاه بخـطو الأوزِّ
فخورا ً أتيــه من الكبريــاء ْ
أليس كليــم ُ الالــه أبـي
كموسى.. وإن لم يجئـْـه الخفــيرُ
وإن لم يكن مثــلـَه بالنبي
وما الفرق ؟.. لا فرقَ عند الصبى ْ !
وبينــا أسير وألقى الصغار أقول " اسمعوا..
أبى يا عيــال دعــاه الالــه " !
وتنطـق أعينهم بالحســد ْ
وقصرٌ هنــالك فوق العيون ذهبنـا إليه
يقولون.. فى مأتـم شــيدوه
و من دم آبائنا والجدودِ وأشــلائهم
فموت ٌ يطــوف بـكل الرؤوسِِ ِ
وذعر ٌ يخيـم فــوق المـٌقــل
وخيــل ٌ تدوس على الزاحفــين
وتزرع أرجلهــا في الجـثت
وجدَّاتنــا في ليـالي الشــتاء
تحدثـننا عن ســنين عجــاف
عن الآكلين لحـوم الكلاب ِ
ولحم الحمير.. ولحم القطط ْ
.....

ذهبنــا إليه
فلما وصــلنا.. أردت الدخول
فمد الخفــير يدا ً من حـديد
وألصقني عند باب الرواق
وقفت أزف ُّ أبى بالنظــر
فألقـى الســـلام
ولم يأخذ الجالسـون الســلام ! !
رأيت ُ.. أأنسى ؟
رأيت ُ الإله َ يقــوم فيخلـع ذاك الحـذاء ْ
وينهــال كالســيل فوق أبى ! !
أهـــذا.. أبي ؟
وكم كنت أختــال بين الصغــار
بأن أبي فــارع " كالملك " !
أيغدو ليعنى بهــذا القصر ؟ !
....

أهـــذا.. أبي ؟
ونحن العيــال.. لنا عــادة..
نقول إذا أعجزتنا الأمور " أبي يستطيع ! "
فيصعد للنخـلة العـاليـة
ويخـدش بالظفر وجــه السـما
ويغلب بالكف عزم الأســد
ويصنع ما شــاء من معجزات !
أهـــذا.. أبي
يـُســام كأن ْ لم يكن بالرجــل
وعـدت أســير على أضــلعي
على أدمعي.. وأبث الجــدر
" لمـاذا.. لمـاذا ؟ "
أهلت الســؤال على أميــه
وأمطرت في حجرهــا دمعيــه
ولكنهــا أجهشــت ْ باكـيهْ
" لمـاذا أبي ؟ "
و كان أبي صــامتا في ذهول
يعــلق عينيــه بالزاويـة
وجـدِّي الضــريرْ
قعيـد ُ الحصــيرْ
تحسـَّسـَني و تولـَّى الجـواب ْ :
" بنـي َّ.. كذا يفعل الأغنيــاء ُ بكل القرى " !

كــرهت ُ الإله..
وأصبح كل ُّ إله لدى بغيض َ الصــَّعرْ
تعلمت ُ من يومهــا ثــورتي
ورحت أســير مع القـافلة ْ
على دربهــا المدلهــمِّ الطــويل
لنلفـى الصــباح َ
لنلقـى الصــباح !



اللــــــــــــــــــــه ..
أول مرة اقراها ..
ايه الجمال ده ؟

tabeeb666- 08-27-2007
الله يرحمه .. كنت اتمنى لو كان ترجم من المجرية أشعار تشوكونائي و فوروشمارتي و شاندور بيتوفي (الأخير أحد شخصيات الملحمة الـ(حلزونية) لزوم ما يلزم) إلى العربية ..
فالمحاولة - قد تكون الوحيدة- لترجمة أشعار هؤلاء إلى العربية ، كانت محاولة الشاعر (فوزي العنتيل) ، وهو رجل ٌ رقيق ٌ للغاية .. شعره دافئ جدًا ، مما لا يتناسب و كل هذا السخط !

shadykov- 09-06-2007

د. أبو بكر يوسف

" قل للمهرجين المجانين : لقد ضاعت ارزاق أهل الفكاهة و المجون.. ضاعت لأن أهل العقل انفسهم قد اصبحوا من المجانين. خلطوا فى تصرفاتهم وارتكبواالأعمال الشاذه ،فأضحكوا الناس جميعا"

المهرج فى مسرحية "الملك لير" لشكسبير

فى اواخر ديسمبر 1978، و كان نجيب سرور قد فارق الحياة منذ بضعة اشهر، وصلنى آخر دواوينه(رباعيات نجيب سرور) مرسلا الى مع رسول من القاهرة .

وحينما قرأت كلمات الاهداء : "إلى ولدى و أخى و عزيزى أبو بكر يوسف.. نبضات من حبنا المشترك لمصر" داهمنى احساس طاغ بأنها رسالة بعث بها نجيب الى من العالم الآخر، حيث استقرت أخيرا روحه الحائرة المعذبة! كان الاحساس واقعيا الى درجة ارعبتنى. و لم استطع التخلص من وطأته الا بعد تحامل على النفس أعادنى الى توازنى الذى كدت افقده... و انهالت الذكريات"

فى عام 1959، و كنا مجموعة صغيرة السن من مبعوثى "الجمهورية العربية المتحدة" ندرس فى كلية الآداب بجامعة موسكو، جاءنى زميلى السورى عدنان جاموس،و كان انضجنا خبرة و اكثرنا معرفة بشؤون الحياة و الأدب ، بعدد من مجلة "الآداب" البيروتية قائلا: هل قرأت هذه القصيدة؟ و للصراحة فقد كنت أرى هذه المجلة لأول مرة، إذ غادرت مصر الى موسكوعام 1958 بعد ان انهيت الدراسة الثانوية لتوى، و عمرى 18 سنة، و كانت قراءاتى خارج المنهج الدراسى لا تكاد تحيط بما يصدر من روايات و قصص، فلم يبقى للمجلات الأدبية وقت أو نقود. كانت القصيدة بعنوان "التراجيديا الانسانية" لشاعر لم اسمع عنه من قبل هو: نجيب سرور. و كان مطلعها لافتا و جاذبا:

كانوا قالوا: إن الحب يطيل العمر ..
حقا، حقا.. ان الحب يطيل العمر!
حين نحس كأن العالم باقة زهر،
حين نرق كبسمة فجر،
حين نشف كما لو كنا من بلور،
حين نقول كلاما مثل الشعر،
حين يدق القلب كما عصفور،
يوشك يهجر قفص الصدر،
كى ينطلق يعانق كل الناس...

كانت قصيدة مختلفة عن كل ما قرأت حتى ذلك الحين، و اثارت فى نفسى العديد من الأسئلة..سألت صديقى عن هذا الشاعر فقال انه مصرى، و هو هنا فى موسكو، فأبديت تشوقا للتعرف به. فوعدنى عدنان الغامض -الذى بدا لى آنذاك لغزا لا يفصح إلا عن قليل مما يعرف- بأخذى معه الى نجيب سرور فى المدينة الجامعية الالجديدة لجامعة موسكو على تلال لينين، و كنا نحن نسكن فى المدينة الجامعية القديمة على اطراف موسكو.. فى نفس المبنى الذى كان يسكن فيه قبلنا ببضع سنوات ميخائيل جورباتشوف عندما كان طالبا فى الجامعة.

استقبلنا نجيب سرور بابتسامة عريضة كشفت عن فجوة وسط اسنانه العليا (علامة الشبق!)و كان حاجباه معقودين بتقطيبة طبيعية، و عيناه الضيقتان، الشديدتا الذكاء و المكر، تشعان بالمرح و الثقة بالنفس، و تنقل اليك احساسا بأن صاحبهما ينظر الى ما حوله و ما حوله نظرة فيها كثير من السخرية و المرارة الدفينة.و كان ثمة تناقض هائل بين هذا الوجه البشوش الممتلىء و الضاحك,و هاتين العينين بنظرتهما الثاقبةو الساخرة.

لفتت نظرى فى ذلك اللقاء تفصيلة خارجية .فقد كان الحاكى يعمل طوال جلستنا، و نجيب يغير الاسطوانة بين الحين و الحين،و كانت كلها موسيقى كلاسيكية لموسيقيين لم اكن سمعت حتى بأسمائهم. و كنا قد تعودنا منذ صغرنا ان نسرع بإغلاق المذياع أو تحويل المحطة ما ان يعلن المذيع عن فاصل من الموسيقى الكلاسكية التى لم نكن نفهمها بنغماتها المشوشة التى لا تسير على ايقاع واحد بل تزعج آذاننا الشرقية بهذا التخبط بين الانغام صعودا و هبوطا, طولا و قصرا,و نحن نبحث فيها عبثا عن مستقر للايقاع المطرد المطرب! و أسارع فأقول اننى مدين لنجيب سرور بتعرفى على الموسيقى الكلاسيكية الروسية و الغربية و تذوقى لها. فمنذ ذلك اليوم طال وجوده فى موسكو, كان نجيب يعلمنى كيف أتذوق اللحن الغربى و يشرح لى مواضيع السمفونيات، و يلفت انتباهى الى هذه النغمة أو تلك. و الى خصائص الأسلوب الموسيقى لهذاالموسيقار أو ذاك. كان يفعل ذلك بتلقائية و حماسة و حب غير مصطنع للموسيقى جعلنى لا اشعر بأننى تلميذ فى حضرة معلم.و عندما سألته عن سبب تعلقه بالموسيقى الكلاسيكية قال إن المخرج -و كان نجيب سرور قد جاء فى بعثة حكومية لدراسة فن الاخراج المسرحى- ينبغى ان يكون. على اطلاع واسع بكافة الوان الثقافة و الفنون, لأن المسرح هو مجمع الفنون, و الجهل او قلة الدراية بأى لون منها يؤثر سلبا على قدرات المخرج الابداعية و على مستوى حرفيته.

و منذ أن تعرفت بنجيب سرور أحست بأننى مشدود بهذه الشخصية الفذة كقطعة حديد الى مغناطيس قوى. كان فارق السن بيننا غير كبير, إذ كنت فى العشرين, و كان هو فى اواخر العشرينيات,و لكن الفارق فيما عدا ذلك كان هائلا.

كان نجيب- بالنسبة الى على الأقل-كنزا لا يفنى من المعرفة, و شخصية متعددة المواهب الى درجة خارقة. فقد كان ممثلا, و شاعرا, و مخرجا, و ناقدا, و كاتبا.و كانت معرفته بالأدب العربى و الغربى واسعة. و لكثرة ما لاحظت فى اشعاره من استشهادات بالتاريخ و الأساطير المسيحية ظننته فن بداية تعارفنا مسيحيا, خاصة و ان الاسم (نجيب سرور) أقرب الى الاسماء المسيحية فى مصر. و تحرجت أن اسأله, و لكنه ملأأمامى ذات مرة استمارة إقامة فرأيت جواز سفره, و كان اسمه فيها: محمد نجيب محمد سرور هجرس! و فيما بعد لمست كيف كان يستلهم فى اشعاره التاريخ و الأساطير الفرعونية و الاغريقية و الشعبية المصرية و الفلكلورية العربية, إذ كانت الروافد الثقافية المختلفة تمثل لدى نجيب نهرا انسانيا عريضا يغترف من كيف يشاء . أما الانتماء الدينى فكان مسألة تركها وراء ظهره!

و كان نجيب شخصية معقدة, و لكنها فى غاية الغنى و العمق, منطلقة و مرحة الى اقصى حد. كان لا يكف عن القاء النكت و القفشات الفورية، بنت الساعة. و حتى فى ذروة الجد و احتدام النقاش تفلت رغما عنه, فينفجر الحاضرون بالضحك, و ينفرط عقد التزمت و الجدية.
و لم يفلح نجيب تعلم اللغة الروسية حسب القواعد, فكان يخلط خلطا شديدا بين حالات الاعراب الست فى اللغة الروسية, حتى اشاع انه اخترع حالة جديدة, سابعة, للاعراب, هى الحالة التى يتكلم بها! و لكنه كان دائم القراءة باللغة الروسية و دؤوبا -كتلميذ- فى استخراج معانى الكلمات الجديدة من القواميس, و كأنما كان ييريد أن يسبق الزمن ليطلع على الأدب الروسى بلغته الاصلية. و عندما يعجبه كتاب, سواء فى الادب أم فى الفلسفة أم فى التاريخ .. كان ينكب عليه و ينقطع له, فلا ينام احيانا عدة ايام و لا يأكل الا لماما,و لكنه لا يكف عن تناول الشاى و القهوة.و يظل فى هذه الحمأة, و هذا التوتر الذهنى و العصبى حتى يفرغ من قراءة الكتاب المكتوب بلغة لا يكاد يعرفها!

و تلك كانت احدى خصال نجيب سرور التى عرفتها فيه فيما بعد.

و كان نجيب سرور لا يكتب الشعر كثيرا. قصيدتين أو ثلاثة فى السنه.. و لكنه كان يعانى مخاض القصيدة بالأسابيع.. يكتب و يشطب و يمزق, و يشرد كثيرا, يدندن لنفسه بإيقاعات ما, و احيانا يصبح غير قادر على تحمل هذه الحالة النفسية وحده, فيبوح لى بمطلع القصيدة أو ببضعة أبيات منها,و كأنما ينفس عن زفرة جاش بها صدره.

و لم يكن لنجيب سرور مثيل فى القاء الشعر..و شعره خاصة.و قد اجتمعت له ملكة الصوت الجهير العميق, المتوسط النبرة ما بين "الباص" و "التينور" مع القدرة على التحكم بمخارج الالفاظ التى اكتسبها عن دراسة فى المعهد العالى للفنون المسرحية بالقاهرة. و لم يكن يقرأ الشعر بل يمثله, مؤديا بصوته أدوار الشخصيات المختلفة إذا كانت القصيدة درامية, أو مختلف العواطف, اذا كانت القصيدة وجدانية. و حتى الأبيات العادية, التى ما كانت تحرك فيك أحاسيس قوية لو قرأتها بنفسك, كانت تنبض بالمشاعر الجياشة فى القاء نجيب سرور و بصوته المتفرد , و تهزك الى الاعماق. و قد عرفت شعراء عاديين لا يجيدون القاء شعرهم فيضيعون الكثير من جماله و يهدمون بصوتهم ما بنته قريحتهم...

كنا نلتقى ثلاثتنا -نجيب و عدنان و أنا- فى مقهى من مقاهى موسكو, حيث يختلف الجو عن مثيله فى المقاهى الشرقية.فالمكان هنا مغلق دائما بسبب الجوالبارد

و هو اقرب الى المطعم منه الى مقهى المشروبات الشرقي, و الرواد يأتون ليأكلوا و يشربوا و يرقصوا. أما نحن فكنا نختار طاولة فى احد الأركان, و ننفصل بها عن كل ما كان يحيط بنا من صخب الموسيقى و ضجة الأطباق و الملاعق, و شهقات الثمالى, و نظرات الشقراوات الداعية, و دقات احذية الراقصين المدوية. كان نجيب يقرألنا من اشعاره, و نحن نصغى اليه فاغرى الأفواه, و عندما يلقى قصيدة حزينة كقصيدة"أبى" (والد نجيب) الذى ضربه الاقطاعى امام ابنه(نجيب) كان صوته يتهدج, و تنساب الدموع على خديه, و ما ان ينهى القصيدة حتى نهب لعناقه و تقبيله و مواساته، و الدموع تسيل على خدودنا أيضا!...

و كنا لا نغادر المكان الا بعد انفضاض جميع الرواد و جميع الكراسى و المفارش, و تقريبا بعد طردنا طردا و اطفاء اضواء الصالة, بينما نحن مندمجين مع اشعار نجيب سرور, غير عابئين بما يفعله خدم المقهىلإجبارنا على الانصراف. و فى ليالى الصيف القصيرة فى موسكو, إذ يحل الفجر فى الثانية صباحا و تشرق الشمس فى الرابعة, كنا نمضى متسكعين فى شوارع موسكو النظيفة و الخالية, و خاصة فى وسط المدينة و نجيب يواصل القاء اشعاره تحت تماثيل الشاعرين بوشكين و ماياكوفسكى و الأمير يورى دولجاروكى مؤسس موسكو.و نظل نضرب فى الشوارع حتى الساعة السادسة, موعد افتتاح محطات المترو, لنستقله فى اتجاهين متعاكسين: هو الى المدينة الجامعية الجديدة, و عدنان و انا الى المدينة القديمة...

و سرعان ما اصبحت راوى اشعار نجيب سرور فى مجموعة الدارسين المصريين و السوريين فى موسكو. و رحت اقلده فى طريقة القائه المتميزة, و نجحت فى ذلك الى حد ما فقد لاحظت ان السامعين لا يعجبون بالأشعار فحسب, بل و بطريقة القائى لها.و شيئا فشيئا تجمعت حول نجيب سرور مجموعة من الطلبة الشباب المصرين و السوريين, فانتعش و ارتفعت معنوياته, و بدأيخرج من عزلته التى كان قد ضربها على نفسه عند مجيئه لموسكو, لاقتناعه-كما قال لىفيما بعد- بأن المبعوثين المصريين آنذاك(1959)كانوا منتقين بعناية من اجهزة المباحث بحيث لا يفلت منهم تقدمى واحد. أما هو فأفلت بأعجوبةلأنه وصل الى موسكو فى قمة الحملة المعادية للشيوعية فى "الجمهورية العربية المتحدة", و هى حملة صاحبت اقامة الوحدة بين مصر و سوريا و لعبت هذه الصدفة دورمأساويا فى حياة نجيب سرور فى موسكو.

فما ان افصح نجيب سرور عن انتمائه للفكر الماركسى, و اشاع انه كان عضوا بأحد التنظيمات الشيوعية فى مصر(جماعة حد تو) حتى وجد نفسه محاصرا بشكوك و ريب قوية من قادة التنظيمات الشيوعية العربية فى موسكو, و خاصة تنظيم الحزب الشيوعى السورى الذى كان يقوده فى موسكو احد اعضاء اللجنة المركزية لحزب اللاجئين الى الاتحاد السوفييتى. و كان مبعث الريبة هو: كيف يتمكن شخص يقول انه شيوعى من المجىء الى موسكو فى هذه الفترة بالذات, و يفلت من اجهزة المباحث المصرية التى كانت فى اوج عنفوانها, بل و فوق ذلك يأتى طالبا فى بعثة حكومية!

و فى محاولة منه لتبديد هذه الشكوك جنح نجيب الى التطرف، فلجأالى تشكيل مجموعة من "الديمقراطيين المصريين" لإصدار البيانات و اتخاذ المواقف المعادية للنظام الحاكم, و استغل ذات مرة فرصة انعقاد أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبى فى جامعة موسكو فقفز الى المنصة و استولى عليها , و اطلق بيانا ناريا ضد "النظام القمعى الديكتاتورى" فى مصر و سوريا.و بينما هدرت القاعة المملوءة عربا و اجانب بالتصفيق ظهر الحرج و الضيق على أوجه المسؤولينفى الجامعة, الذين وضعهم نجيب فى ورطة شديدة.و نجحوا اخيرا فى تنحيته عن المنصة و لكن بعد فوات الأوان! ففى اليوم التالى احتجت السفارة المصرية على جامعة موسكو, و فصل نجيب من البعثة(هو و ماهر عسل الذى ترجم له البيان و ألقاه بالروسية) و ألغى جوازا سفرهما, و طالبت السلطات المصرية المسؤولين السوفييت بترحيل نجيب سرور و ماهر عسل الى القاهرة فورا!

بهذه الحركة نجح نجيب فى كسب ثقة الشيوعيين العرب فى موسكو فدافعوا عن بقائه فيها و تكللت مساعيهم لدى السلطات السوفييتية بالنجاح فظل نجيب فى موسكو, و لكنه نقل الى مدينة جامعية اخرىحتى لا يحتك بالمبعوثين المصريين الهائجين ضده. و بمرور الوقت ادرك نجيب انه ارتكب حماقه,و لم يعد يدرى ماذا يفعل بهذه المجموعة الصغيرة التى التصقت به. و اعترف لنا صراحة بأنه لا يفقه شيئا فى السياسة, و انه لا يريد ان يلحق بنا الضرر, و لذلك قرر تركنا و الانصراف الى الدراسة, و نصحنا ان نحذو حذوه.

حتى ذلك الحين لم اكن قد ادركت مدى تعقد شخصية نجيب سرور فأزعجنى منه هذا السلوك الذى اعتبرته "غير رجولى", و لم استطع ان افهم سبب هذه الازمة التى داهمته فى الوقت الذى بدا و كأن اموره تسير الى الأفضل بعد تبدد سحب الشكوك فيه و انتصاره فى المواجهة مع السلطات المصرية و فشل الضغوط التى مورست ضده. و اخذ نجيب يبتعد عنا و يغرق فى الشرابو الديون. و فى هذه الفترة بدأيكتب قصيدة "العودة" التى اورد مقاطع منها فى ديوانه "لزوم ما يلزم" و هى قصيدة مغرقة فى اليأس و الضياع و الحنين الى الوطن:

"يا مصر يا وطنى الحبيب!
يا عش عصفور رمته الريح فى عش غريب,
يا مرفأى آت انا آت.. و لو
فى جسمى المهزول آلاف الجراح..
و كما ذهبت مع الرياح..
يوما اعود مع الرياح..
و متى تهب الريح؟ أو هبت..
فهل تأتى بما يهوى الشراع؟
ها انت تصبح فى الضياع..
فى اليأس.. شاة عاجزة..
ماذا لها ان سلت السكين غير المعجزة؟!.. "



و هجر نجيب سرور المسرح الذى كان يدرس فيه تحت اشراف المخرج الكبير نيكولاى اخلوبوكوف متعللا بأن اخلوبوكوف مخرج شكلى يهوى المؤثرات الصوتيه والضوئية و لا يغوص فى اعماق النص المسرحى. و قد شاهدت بالفعل مسرحية "هاملت" من اخراج اخلوبوكوف فأصم اسماعنا دوى الطبول فى اوركسترا المسرح, و أغشت ابصارنا الأضواء الباهرة التى كان يسلطها على الصالة. و مع ذلك لم يكن هذا هو السبب الحقيقى الذى نفر نجيب من دراسة المسرح, و انما كانت الأزمة الحادة التى أخذت تتفاعل فى اعماقه, و التى لم استطع -رغم كل ما بذلت من جهدآنذاك- أن ادرك أسبابها و بواعثها.كنت لا ارى غير ظاهرها:الاغراق فى الشراب, اليأس المطبق, الاحباط المطلق. كل ما استطعت ان ادركه هو ان اغراقه فى الشراب كان الوسيلة التى لم يجد سواها للهروب من ازمته. و ذات مرة سألته مستنكرا-و كنت اجالسه فى احد المطاعم- :

-لماذا يفرط فى الشراب الى هذا الحد،

-فأجاب: لكى انسى!

-قلت له: و ما الذى تريد ان تنساه؟

-فأجاب بروح دعابته الحاضرة دائما: و هل ترانى أذكر.!

فى اواخر فترة وجوده فى موسكو، حوالى عام 1963 بدأ نجيب يكثر من الحديث عن النفوذ الصهيونى فى الاتحاد السوفييتى. و استنكرنا منه ذلك بشدة,إذ كنا نعيش فى "عصر الأممية ", و لم نصدق ان الاتحاد السوفييتى العظيم يمكن ان يكون خاضعا للنفوذ الصهيونى، و اعتبرنا -انا و زملائى- أن نجيب يغالى كعادته، و خاصة فى ظل تفاقم ازمته الشخصية.و بعد ذلك بسنوات أدركت مدى صواب ما يقال عن عين الفنان التى ترى ما وراء الظاهر و تغوص الى اعماق الاشياء, و تكشف لنا ما لا نراهمثل عينى زرقاء اليمامة! و أنا لا اريد هنا ان اقول أن نجيب سرور كان محقا تماما آنذاك, و لكنه رأى بوادر الظاهرة التى لم تتكشف لنا الا فيما بعد.

ثم وقعت الحادثة التى وضعت نهاية لبقاء نجيب سرور فى موسكو...

كان يسامر احد الاصدقاء اليمنيين فحدثت مشاحنه بينه و بين أحد الرواد الذى ظنهما يهينانه. و تدخل رجال الشرطة و حاولوا اقتياده بلَى ذراعيه.و كان نجيب قوى البنية فتخلص منهم بقوة اعتبروها مقاومة, فاجتمعوا عليه و اقتادوه الى مبنى الشرطة حيث اوسعوه ضربا. و قال لى نجيب و هو يروى هذه الواقعة: لقد بكيت آنذاك ليس من الألم بل على انهيار المثال و احسست انه لا فرق بين شرطة مصرية و مباحث مصرية, فكلها اجهزة قمع, و انما نحن الذين صدقنا الاوهام عن "انسانية الاشتراكية" و كعادته "نظر" نجيب لهذا الحدث و اختزل فيه كل جوانب الظاهرة!

و سافر نجيب الى بودابست بدعوة من أحد اللاجئين السياسين المصريين هناك, حيث عمل فى القسم العربى بإذاعة بودابست, و التف حوله العرب و رحبوا به, و لكن سرعان ما عاودته ازمته التى لم يفلح تغيير المكان فى اطفاء جذوتها, و كان يتصل بى من هناك هاتفيا, مؤكدا على استفحال النفوذ الصهيونى لا فى القسم العربى فى الاذاعة فحسب بل و فى معظم اوجه الحياة السياسية و الثقافية و الاقتصادية فى المجر. و بالطبع أخذت ما قاله على محمل المبالغة المعهودة فيه...

و ذات مرة اتصل بى منن بودابست, و كان ذلك فى ربيع عام 1964, و طلب من عاملة البدالة أن تكون المكالمة على حسابى، فوافقت مستغربا, و عندما تم الاتصال أخبرنى انه طلب ذلك لأنه لا يملك ثمن المكالمة, و قال بصوت متهدج أفجعتنى نبرته المتهالكة إنه جائع و لم يأكل منذ ايام, و سيذهب غدا الى السفارة المصرية "ليسلم نفسه" (كما قال) لأنه لم يعد يحتمل الزيف المحيط به و يريد ان يعود الى مصر ليموت فيها, مثل سنوحى!

رجوته ان يهدأو لا يتسرع و سنحاول تدبير الأمر, و لكنه اصر قائلاانه لم يعد ثمة معنى للاستمرار فى لعبة الخداع, فالعالم كله لصوص و مخدوعون, و ما المذاهب الا أساليب يلجأ اليها اللصوص لتغطية سرقاتهم. و بهذه المناسبة فقد كتب نجيب سرور فى بودابست قصيدته الشهيرة "المسيح و اللصوص" حيث "اتهم" فيها المسيح بأنه السبب فى ظهور اللصوص الذين اخذوا يتاجرون باسمه, و باسمه يحكمون!








و حين يحاول "مسيح نجيب سرور" أن يرد على الشاعر بأنه سيعود ليصحح الأوضاع يجادله الشاعر:

-هل تصدقُ ما تقولٌ؟
-الأبُّ قال بأننى حتما أعودْ
مَلِكاً على أرض البشرْ
لتَسودَ فى الناس المسرةُ و السلامْ!
-لو عدتَ.. منذاَ يعرفُكْ؟
-سأقول: جئتُ انا المسيحْ!
-سيطالبونكَ بالدليلْ.
-ستكونُ فى جيبى البطاقةُ و الجوازْ.
-هذا قليل..
ما اسهلَ التزويرَ للأوراقِ فى عصرِ اللصوصْ.
و لديهمُ (الخبراءُ) سوف يؤكدونْ
أن الهويةَ زائفةْ!
-لكنْ عليها الختمُ..ختمُ الأبّْ..
-يا بئسَ الدليلْ!
سيؤكدُ الخبراءُ ان الختمَ برهانٌ على زيفِ الهوية!
-سأريهمُ هذى الثقوبْ..
فى جبهتى -انظرْ- و فى الكفينِ, فى الرجلين..
جئتُ أنا المسيحْ!
-سيقول لوقا: قالَ مرقصُ
إنَّ متََّى قال يوحنَّا يقولْ:
"فى البدء كانَ الأمرُ "إصلبْ
و الآن صار الصلب أوجَبْ!"
حتماً ستُصلبُ من جديد
همْ فى انتظاركَ-كلُّ اتباعِكَ، قطعانُ اللصوص-
همْ فى انتظاركَ بالصليبْ...
ماذا؟ أتبكى؟ كلُّ شىءٍ مضحكٌ حتى الدموعْ!
العصرُ يضحك من دموعك, من دموعى, عصرنا
عصرُ اللصوصْ,
بل أنتَ... حتى انت لصٌّ!
لو لم تكن ما كان فى الأرض اللصوصْ!
حتى أنا لصٌ.. ألم أخدع طويلا باللصوص؟!

و نقول بين قوسين إن الأديب المصرى الكبير يوسف ادريس كتب فى نفس الفترة تقريبا مسرحية "المخططين" التى تتصدى ايضا لظاهرة استيلاء "جماعة المنتفعين" على الحكم, و منع اى محاولة لتصحيح الأوضاع حتى لو كانت من صاحب الفكرة نفسها! و هذا دليل انتشار ظاهرة عدم الثقة فى الأنظمة الحاكمة آنذاك و التى كانت تتشدق بالشعارات الديماغوجية عن الحرية و الديموقراطية و الاشتراكية فى غيبة تامة لهذه المثل.

على ان نجيب سرور قد كتب فى نفس الفترة فى بودابست روايته الشعرية الرائعة "ياسين و بهية" التى حولها المخرج كرم مطاوع الى مسرحية قدمت على "مسرح الجيب" فى القاهرة عام 1965 بعد عودة نجيب سرور الى مصر. و تمثل هذه الرواية رؤية جديدة لقصة ياسين و بهية المعروفة فى الأدب الشعبى المصرى, إذ يجعل نجيب من بطلها مناضلا ضد الاقطاع و ثائرا على الظلم, و مضحيا بحياته فى سبيل تحرير الفلاحين، كاسبارتاكوس محرر العبيد. فكيف اجتمع فى نفس نجيب ذلك الضياع الخانق و اليأس المطلق مع هذا الايمان الحار بعدالة النضال من أجل الحرية و الثورة على الظلم و الاضطهاد؟ أهى اصداء مرارته القديمة من الاقطاع الذى أهان الوالد أمام ابنه الصغير؟.. أم هى روح الفلاح المصرى الكامنة فى اعماق نجيب سرور, و التى تتجاوز الايمان أو الكفر بالنظريات و المذاهب، لأن النظريات تقوم و تسقط, أما الارضية الفلاحية الضاربة فى عمق التاريخ المصرى لآلاف السنين, فتبقى هى الأساس الراسخ الذى ينفذ من اليأس و الضياع. و بالفعل فلو تجاوزنا عن الخط المتعرج و المتأزم لحياة نجيب سرور, فسنجد خطه الابداعى، ممثلا فى مسرحياته التالية ل"ياسين و بهية", "آه يا ليل يا قمر", قولوا لعين الشمس.." , هو خط نضال العامل المصرى و الجندى المصرى -بعد الفلاح فى ياسين و بهية- ضد الظلم الطبقى و الاستعمار الأجنبى. و لهذا فبوسعى أن اقول إن نجيب سرور, رغم كل شطحاته و تقلباته و ضياعه و أزماته, كان فنانا ملتزما بقضايا شعبه و وطنه على المستويين المصرى و العربى, حتى الرمق الأخير...

و كم مرة طرحت على نفسى هذا السؤال: ما السبب فى الأزمة التى لازمت نجيب سرور طوال حياته القصيرة و كانت السبب فى رحيله المبكر؟

فى البداية ظننته الاضطهاد.. و لكن نجيب عاد الى مصر فلم يتعرض للملاحقه و السجن.. و كنت اظنه الظلم و حرمانه من فرصة تحقيق مواهبه.. و لكنه نشر دواوينه و مسرحياته، و مثل على المسرح و فى التليفزيون، و أخرج للمسرح و أخرجت له مسرحياته.. ربما لم ينل كل ما كان يريد.. و لكنه لم يحرم تماما...

ثمة تفسير منطقى واحد لهذه الأزمة, لا أجد غيره..

إنه الصراع فى نفسية الشاعر بين الواقع المرفوض.. و المثال المستحيل..

انه مأساة العقل, الذى يحفر كالمثقاب فى طبقات الزبف و الأكاذيب ليصل الى الحقيقة, و لكنه للأسف يواصل الحفر حتى يخرج الى الجانب الآخر, محدثا ثغرة فى السد تتسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونه مدمرة كل شىء!...

الفنان شمعة تحترق.. لتضىء لنا الدرب الى الحقيقة, و الخير, و الجمال...

و نجيب سرور فنان لم يدخر ضوءه, فاحترق سريعا كشهاب مرق فى سمائنا, و لكنه ترك فى نفسى, و فى نفوس الكثيرين غيرى, أثرا ساطعا لا ينسى.. لأنه أثر الموهبة المبدعة...

-- أدباء عرب فى موسكو --


Free Forum Hosting by Forumer.comTM!