يمتد الرصيف مع امتداد البصر، وهو من مقعده الدائم هنا لم ير أبدا نهاية له، كثيرا ما يفكر في تتبعه سيرا طالما أن البصر لا يجدي، ليرى أين ينتهي، لكنه في كل مرة كانت آلام قدميه تثنيه عن هذه الفكرة.
يأتي وحيدا دائما، يحمل صحيفة ويقرأ ويدخن الشيشة، ويدفع حسابه بعدها ويمضي، هذه هي حياته بعد المعاش، دائما يقول لنفسه وهو يدفع الحساب: لا يوجد أشياء تحدث.
غير أنه ثمة بعض الأشياء التي حدثت مؤخرا، أصبح رؤوف يدونها ويؤرخ لها، وبها. فمنذ فترة اتجه رجل إليه في مجلسه على المقهى، ثم جلس، وقال له إنه يشعر بالملل بعد المعاش ويريد أن يلعب معه الشطرنج، ولأن رؤوف لم يكن لديه ما يشغله في تلك الساعة وافق، وفاز في أول دور يلعبانه.
أثناء الأدوار التي لعبوها في الأيام التي تلت هذا اليوم لم يتبادلا الكلام، كانا في قمة التركيز في اللعب، حتى أن رؤوف لا يعرف – إلى الآن – اسم من كان يلعب معه، الشيء الوحيد الذي عرفه، وبالصدفة، هو أن شريكه في اللعب لم يكن هو الآخر يعرف للرصيف الذي تقوم عليه طاولات المقهى نهاية.
بعد حوالي شهر من بداية حدوث هذه الأشياء لرؤوف، أصبحت ساعات الشطرنج بالنسبة له أهم ما في حياته، فصار ينتظر ساعة غروب الشمس بفارغ الصبر ليتجه إلى المقهى، وتحول للسهر يوميا عليه حتى منتصف الليل وأحيانا إلى ما بعدها، كما حدث في المرة الأخيرة التي رأي فيها شريكه، حيث غادر المقهى في الثانية صباحا، وكان قد فاز في ثلاثة أدوار ساحقا الرجل الآخر الذي ينسى دائما أن يسأله عن اسمه، ويتذكر ذلك عندما يعود إلى بيته ويقرأ الورقة التي وضعها على باب الشقة، كاتبا فيها: لا تنس أن تسأله اليوم عن اسمه يا رؤوف.
في اليوم التالي عند ساعة غروب الشمس غادر رؤوف شقته، وذكرته الورقة التي وضعها على باب الشقة للمرة الألف أن يسأل شريكه في اللعب عن اسمه، وحتى لا ينسى صار يتمتم طوال الطريق: سأسأله اليوم، سأسأله اليوم. ثم بعد ذلك ضحك في نفسه عندما تذكره بالأمس قبل أن يغادرا المقهى وهو يتوعده بالثأر بعد الأدوار الثلاثة التي خسرها، وقال في نفسه وهو يتأنى في المسير ليتجاوز عقبة في الطريق ويبتسم للفكرة وينفعل اشتياقا: سأهزمه اليوم أيضا، وبعد أن أهزمه سأسأله عن اسمه.
جلس رؤوف منتظرا ولكن أحدا لم يأت، ومضت عقارب الساعة تسير مقتلعة الأمل في نفس رؤوف إلى أن وصلت إلى العاشرة، فقام رؤوف وقد يأس من حضور الرجل، ولكنه قرر أن يفعل شيئا غريبا محققا أمنيته وأمنية شريكه، فسار مبتغيا معرفة أين تقع نهاية ذلك الرصيف، ظل يسير ويمشي إلى أن انتهى الشارع، ووجد في نهايته مقبرة صغيرة، ووجد حولها بعض السيدات المتشحات بالسواد يبكين، قرأ الشاهد على المقبرة فكان الاسم: حلمي يوسف، 1945 – 2005.
حلوه بجد عجبتنى
كنت خمنت النهايه بس انت باشا قفلتها قفله جامده
ممتعه بصراحه