| QUOTE (lonewolf @ April 06, 2006 08:37 am) |
| هذا الوهم المسمي.. «الأهرام» كتب محمود الكردوسي أكتب هذا المقال مزهواً بأنني ابن عاق لمؤسسة الأهرام، وبأنني كالقطط: أكلت من خير الأهرام حتي أتخمت و"اتخنقت" ورأيت فيما يري النائمون أنني أربط وسطي بحزام ناسف وأفجر نفسي في صالة تحرير الجريدة!. ومع أنني واثق من أن انتحاري هذا - إذا تحقق - سيكون بلا قيمة فإن قلبي يحدثني بأنه سيكون استشهاداً بإذن الله وليس كفراً. أكتب متحرراً من أي التزام أدبي أو انتماء مهني إلي هذا الكيان الذي لا أري في كل تاريخه الطويل أي إنجاز مهني أو إبداعي يستند عليه.. سوي أنه "جريدة معمرة.. أسسها سنة ١٨٧٥ سليم وبشارة تقلا". أكتب وأنا مطمئن إلي أن أحداً في "الأهرام" ــ حيث يفر المرء من أخيه ويبلغ عنه رؤساءه إذا لزم الأمر ــ لن يشغل نفسه بمثل هذه الترهات، خاصة أولئك الذين يملكون سلطة "تكفيري" علي عملية انتحارية بهذا الحجم التافه.. ومطمئن أيضاً إلي أن "سيستم الأهرام"، هذا الكائن الخرافي، لا يخلو من مغانم، إذ "يستعيب" مثلاً أن "يفصل" محرراً مهما كانت جريمته.. وإلا فصل ثلاثة أرباع من يعملون تحت مظلته، ناهيك عن أن "التلسين" أصلاً ليس جريمة في الأهرام، لأنه تنفيس عن طاقات معطلة: إما أنها لا تعمل أصلاً، وإما تعمل حتي الثانية والنصف ظهراً، وهو موعد انتهاء دوامها في الوزارات والمصالح وبؤر البيزنس. ثمة معارك أكبر دائما في "الأهرام"، وثمة انتحارات أكثر تأثيراً، كما أن "مشنة الكعك" لم تخلُ بعد، والناس مشغولون بإعادة توزيع أنصبتهم.. مشغولون منذ ثلاثة عقود إلي ذلك الحد الذي جعل زملاء كثيرين يحسدونني علي بطالتي وعلي «نصاحتي» في الوقت نفسه، لأنني ضحكت علي الأهرام وأخذت سيارة بالتقسيط مع أنني طاقة معطلة في المؤسسة، بل وأتنزه بين "السبابيب" ولا علي بالي!. أكتب، أخيراً، بتأثير الفساد المهني المستمر منذ سنوات طويلة. وأزعم أنني كنت قريباً منه إلي ذلك الحد الذي أري فيه الآن أنني محظوظ لأنني بالكاد أوقع في دفتر الحضور والانصراف. ففساد الذمم يمغص البطن.. أما فساد المهنة فيدمر جهاز المناعة. (١) يولد الصحفي في مصر حراً، منتمياً إلي نفسه وإلي مهنته، حتي يبتليه المولي عز وجل، ويمر في شارع الجلاء، ويري صورته البائسة في زجاج أحد مباني مؤسسة الأهرام الأربعة، فيبصق علي نفسه وعلي مهنته، وتنتابه حالة استلاب أو انجذاب تتعمق يوماً بعد يوم.. إلي أن "ينالها" ويصبح "أهرامجياً". هذه الحالة تنتاب ــ مع الأسف ــ أعداداً غير قليلة من صحفيي مؤسسات أخري أري أنها - هذه المؤسسات - لا تزال رغم فقرها أحرص علي مهنة الصحافة من الأهرام. كما تنتاب أيضاً بعض الصحفيين ممن فتح الله عليهم بالعمل في صحف مستقلة، يرتفع فيها سقف حرية التعبير أحياناً إلي مستوي أعلي من مطعم نادي العاصمة في الطابق الثاني عشر في مبني الإعلانات بالأهرام. لكنني شخصياً لم أشعر يوماً بهذه الغواية. وطوال أحد عشر عاماً من اللهاث بين دار الهلال وروز اليوسف وعدد غير قليل من المكاتب العربية كنت أشعر بأن الأهرام سيكون بالنسبة لي تهلكة. وعندما قُدرَ لي أن أعمل فيه (كان ذلك عام ١٩٩١) وشاء المولي عز وجل أن أعمل في مجلة "نصف الدنيا"، تحت رئاسة تحرير سيدة تربت مهنياً في مؤسسة "أخبار اليوم" هي الأستاذة سناء البيسي. والحق أن سناء البيسي كانت نسيجاً خاصاً في هذه المؤسسة، وكانت تقدر معني أن يكون الإنسان صحفياً وموهوباً في الكتابة. ولهذه السيدة في عنقي دين لن أنساه، علي الرغم من أنها نقلتني من المجلة إلي هذا الأتون الجبار بتأثير وشاية من زملاء كانوا يجلسون إلي جواري في الغرفة نفسها (قيل لي فيما بعد إن أحدهم استدرجني وسجل شريطاً بصوتي وأنا أنتقدها، ثم وضع الشريط علي مكتبها)!. (٢) "مجاذيب الأهرام" كثيرون، من جيلي والأجيال التي أعقبته، كلهم يحلمون بالهجرة إلي "مؤسسة غنية ذات سيادة"، وهذا حقهم. لكنهم في الحقيقة يبحثون عن جراج حكومي عملاق يختبئون فيه من غوائل الأيام، ويستريحون فيه من متاعب المهنة. ومن هؤلاء زملاء وأصدقاء كانوا نجوماً في مؤسساتهم، وبينهم من كان رئيساً لقسم أو مشرفاً علي صفحة، ثم غُرِرَ بهم أو هاجروا طوعاً إلي "ميغة" الأهرام.. فإذا هم محنطون في مكاتب وثيرة، لامعة، يهشون طيور الوخم، ويتحسرون علي أيام أن كانوا بالفعل.. صحفيين!. كان يبدو لي أحياناً، والناس يتحدثون عن أهمية أن يكون الواحد صحفياً في الأهرام، أن هذه ليست مؤسسة.. بل "أرض ميعاد"، ومحرروها ليسوا صحفيين من طينتنا.. بل "شعب الله المختار". وكنت أتطلع إلي هؤلاء المحررين من وراء زجاج صالة التحرير، فينتابني شعور بأنهم - بسم الله ما شاء الله - منكبون علي صياغة وتدوين "ديانة جديدة"!. ثم أفتح الجريدة في طبعتها الأولي وأقلبها ذات اليمين وذات الشمال.. فإذا هي في معظمها "نشرة" مباعة تحريراً وإعلاناً، لا بالبلاطة ولا حتي بالسنتيمتر، بل بالسطر والبنط.. نشرة مضمخة بعدد لا نهائي من الأخطاء النحوية والإملائية والمطبعية، تتخللها تقارير هي في الأصل فاكسات أو وكالات (عليها أسماء محررين، بالمخالفة لكل التقاليد المهنية)، و"باكج" مقالات، يمكنك أن تستثني منه سلامة أحمد سلامة وفهمي هويدي وأنيس منصور وعدداً من كتاب مركز الدراسات، والباقي تضعه المدام علي سفرة الأكل.. فيما يسمي بـ "السم الهاري". (٣) وخلافاً لأمراض النحو والإملاء وفساد الذمة المهني الذي طال كثيرين.. فإن "الأهرامجي" يعاني ــ والعياذ بالله ــ من "عقدة نجومية"، كونه يعمل في واحدة من أعرق وأغني مؤسسات العالم العربي، حيث يتحول فور تعيينه إلي "رقم تأمين" في أرشيف يضم قرابة الستة عشر ألف شخص، لا تمييز فيه بين رئيس تحرير وعامل نظافة. وفي هذا السياق يعد الأهرام نموذجاً حرفياً لأفضلية "المؤسسة" علي "الفرد"، بما يستتبع ذلك من سحق أو نفي للكفاءة والطموح، مقابل عبادة إجراءات ذات طابع وظيفي بحت مثل حجم بنط كتابة اسم المحرر والأخذ برقم التأمين معياراً لترتيب الأسماء علي الموضوع، وكذلك ترتيب محرري الأقسام في سلم ترقيات وهمية مثل "رئيس مناوب" و"مساعد سكرتير" و"سكرتير مساعد".. إلخ. ويبلغ الهزل مداه أحياناً عندما تكتشف أن هناك تسع عشرة تسمية من هذا النوع في قسم لم يعد فيه سوي شخص واحد يحمل لقب "محرر"!.. يحدث هذا علي الرغم من أنها تسميات فالصو، بلا أي مقابل مادي. وفي ظني أن إلهاء المحررين بمثل هذه التفاهات يعد جزءاً من عملية تدجينهم، و"تبطيط" خيالهم المهني، لكي يتسني للطغمة الفاسدة الانفراد أو التكويش علي ما يسمي "كعكة الأهرام".. وهي من الضخامة بحيث نجحت هذه الطغمة في تحويل الأهرام إلي "حفنة امتيازات" ظاهرة، تخفي في الحقيقة نهر فلوس يصب في حساباتها الخاصة. (٤) ما الذي يحصل عليه محرر الأهرام (العادي وليس السوبر) مقابل تخليه عن كبريائه المهني؟ ** مكتب وشانون بـ"عِدة تليفون" بخط زيرو. وأحياناً درج في ديسك إذا كان من مواطني صالة تحرير الرابع. ** مقعد في كافيتريا الرابع، حيث لا يزال كوب الشاي وفنجان القهوة بربع جنيه و"الحاجة الساقعة" بسعر السوق والسجاير علي النوتة، والعيب الوحيد في هذه الكافتيريا كثرة "العصافير". ** خطاب تحويل إلي عيادة خارجية حتي إذا كان المرض "شوية صداع"، وكيس دواء مجاني من عيادة الثالث أو صيدليات سيف. وكلما اجتهد المحرر في مصاحبة أطباء وتمرجية وموظفي العيادة، أصبح مريضاً بالفعل. ** كرتونة نتائج وأجندات آخر السنة، يذهب معظمها إلي العمال والسعاة وموظفي الأمن لكي يزهو المحرر بنفسه وهم ينادونه "فلان بيه". ** الأبناط الشهرية، وعددها عشرة، قيمة كل بنط بضع وعشرون جنيهاً (قيل لي إنها أصبحت ٣٥) وتحدد حصة المحرر من الأبناط بمدي ولائه لرئيسه المباشر وليس بإنجازه المهني. ** الأرباح والحوافز السنوية، تُصرَف بناء علي تقرير من الرئيس المباشر أيضاً، وتشكل مع الأبناط والمكافأة الشهرية مثلث إذلال يصعب الفكاك منه أو التمرد عليه. ** السيارات التي بالتقسيط، وهي "تخليص حق"، أي عوائد إعلانات لم تتمكن المؤسسة من تحصيلها فقررت أن تأخذ بدلاً منها بضاعة تبيعها لموظفيها وتستولي علي كل أو معظم رواتبهم بالمخالفة للقانون. ** الوجبات التي يقدمها مطعمان، أحدهما في مستوي متواضع، والآخر يرعاه نادي العاصمة. ** إفطار وسحور رمضان المجانيان، وأميز ما فيهما كنافة نية أو محروقة وبيض زفر. ** رزم الورق الدشت التي لا تستخدم في الكتابة بقدر ما تستخدم في الحمامات (٥) أخيراً، ومن بين كل امتيازات الأهرام، أعترف بأنني أحد أكثر المستفيدين من مقولة: "تشتغل.. تغلط.. تتعاقب"، لكنني من ناحية أخري أحد أكثر المتضررين من تقسيم الصحفيين في المؤسسة إلي نوعين: "قيادة.. وموهوب". ولو سألتني: ماذا تفعل في الأهرام هذه الأيام؟.. سأقول بأسي: إنني مجرد طائر محنط علي جدار. |