هرع الجميع إلى الخارج، لم أتبيّن الكلمات القليلة التي نطقها الصبي، والتي انفجرت رعباً على وجه أمه الشابة، لكني أدركت أن أمراً جللاً قد حدث.
كان هناك مسجّىً على طرف المسبح، وفوقه أخواه يدلّكان جسده الساكن دون حراك، ينفخان الهواء في فمه، ويرطنان بلغة لا أتقنها!! اقتربت أكثر، كان وجهه كما تركته منذ بضعة دقائق، ولكن عينيه الساكنتين الناظرتين بثبات إلى السماء كانتا تقولان شيئاً آخر يختلف عما يوحي به ذلك اللون الناضر في خديه.
شُلَّت أحاسيسي، لم أقوَ حتى على الحزن، فالترقّب الذي نفر تحت جلدي كوحوش جائعة خدّر فيّ كل قنوات الإحساس والعاطفة.
صدّقت لوهلة أني أستطيع أن أفعل شيئاً، ركضت مبتعداً، لكني أدركت بعد ثوانٍ أني لم أبرح مكاني، كل ما فعلته هو أني أغمضت عينيّ عن المشهد، وجلست خلف الجدار أرتجف.
عدت، وقفتُ فوق الجسد، ثم ابتعدت، الصرخات تتصاعد: بعد قليل سيصل الطبيب.. جارنا لديه بطارية شاحنة.. أقرب مركز للإسعاف على بعد ربع ساعة.. أشعر أنه يتنفس.. هل هناك نبض؟..
مرت اللحظات بطيئة، ولم يأتِ الحزن، ولم يأتِ أحد.. بقيت هي نفسها تلك المشاهد تتكرر أمامي.. جسد مسجّى، وأشخاص يقتربون بشغف من الجسد ثم يبتعدون بذعر، ثم يعودون.. أوجهٌ تستند إلى أكفٍّ بائسة، أوجهٌ أخرى مليئةٌ بأعين سمّرتها الدهشة، أوجهٌ أخرى تصلّي.. في تلك اللحظة، لم أستطع أن أرجو لذلك الجسد أمامي سوى أمر واحد.
لماذا لا تأتي أيها الموت؟ لماذا تزدري النذر المتبقي منّي في هذه اللحظات المرعبة؟ كنت أعتقد أني لا أخشى أحداً سواك، ولكني أدركت الآن أني لا أخشى سوى انتظارك.
لم يدم الانتظار أكثر من ربع ساعة، أتت سيارة الإسعاف لتجد أن الموت كان قد رحل إلى مكان آخر، ومنذ زمن طويل، بعد أن أنجز مهمته.
بعد سنوات عديدة على الفاجعة، لم تستطع أن تريحني كلمات ذلك الطبيب، ولكنها على الأقل علقت في ذاكرتي لغرضٍ ما: لو أنه بقي على قيد الحياة، لكان الوضع أسوأ.