Full Version : ملاحظات حول الأدب
mounirian >>من الأدب >>ملاحظات حول الأدب


<< Prev | Next >>

A.Naje- 11-02-2005
إن كل كاتب ((يهمنى هنا كاتب القصة)) يأمل من القارئ أن يفهمه و أن يشاركه خبرته أو يلتقط رسالة معينة . كاتب القصة الرومانسية مثلاً يريد أن يفهم نفسه من خلال أبطال روايته .و الكاتب السياسي يريد أن يقود القارئ ناحية انفعال و موقف ايدلوجى معين . و الكاتب الكلاسيكي يريد أن يعلمنا و يترك أثراً على مسار التاريخ .
و في الحالات السابقة فالكاتب في رأى لا يقدم سوى دعارة رخيصة الثمن ، فهو يشبه عاهرة تتجرد من ملابسها أمام القارئ لإرضاء رغباته . القارئ من ناحية أخرى حينما يشترى كتاباً أو يقرأ قصة فأنه يتعامل مع القصة باحتقار شديد , هو ليس لدية أي استعداد أن يبذل أي مجهود ليحل شفرات النص أو يشارك بتفاعل مع القصة ليصبح جزء صانع في الأحداث ..
القارئ في هذه الحالة هو قارئ سالب يتوقع فقط أن يتلقي، و القراءة بالنسبة له هي عملية تمرير العين على الكلمات لإضاعة بعض الوقت و إدراك بعض المعلومات ... فما أجمل أن يجلس المرء وسط الآخرين ليقول أنه يقرأ ماركيز و صنع الله إبراهيم.

لكن في وسط هذا الخراء هناك طريق ثالث . و هو أن تجعل القارئ شريكاُ في الصناعة و الخلق. أن تجعله يسير معك بشكل متزامن و أن يكون بمثابة مشارك في معاناة التجربة التي يمر بها المؤلف في نفس اللحظة و نفس الشكل .
و للوصول لهذه الطريقة ، فلا يمكن استخدام الحيلة الجمالية أو الشعرية و لا يمكن الاعتماد على إبهار القارئ بالتشبيهات البليغة و الاستعارات و الكنايات المدهشة ، لا ينفع أي شيء للوصول لهذه الحالة إلا المادة الخام للحياة و التشكيل.

في لعبة الحجلة* أو عوليس** أو إعترافات منتصف الليل*** و بعض أعمال كونديرا و فرانز كافكا يكمن المعنى الحقيقي لم أقصده ، حيث دائماً تتطور الأحداث التافهة دون نقطة ذروة و دون أن ينفعل القارئ ، لكن ذلك النهر المستمر من الأحداث التافهة بالتدقيق أسفل منه سوف نشاهد شحنة خطيرة من الصعب تلخيصها أو إيجازها في أسطر قليلة في هذه المدونة .

للأسف في الأدب العربي فنحن بعيدون جداً عن كل هذا و باستثناء بعض محاولات المسعودى ذات الطابع الكلاسيكي و مغامرات بدر الديب الشاطحة و رواية أن تكون عباس العبد المليئة بالثغرات كالجبن السويسري فأن أحداً من الكتاب العرب لم يحترم يوماً الكتابة و جميعهم يظنون نفسهم عاهرات في خدمة القارئ ... لا يزال الأدب لدينا قصص رمزية تافهة لبهاء طاهر ، و قصص حرفية ايدلوجيه أتفه لصنع الله إبراهيم أو محاولات لتقديم بعض الكوميديا و لعب السرد الشعرية مثل إبراهيم أصلان أو الانقلاب لتقديم بعض العبارات المثيرة لحساسيات القارئ العربي السلبي كمحمد شكرى لكن الإجمالي خراء ملون بألوان العروبة الحمراء و السوداء و البيضاء هذه هي الرواية العربية مجرد كتب مسلية للأطفال و القارئ الأنثي كما يلقبه كورتاثار .

من الناحية الأخرى فعملية كتابة نص غير مسبوك و غير مترابط و مضاد للسرد القصصي عن عمد (رغم أنه ليس مضاد للقصة) و لا يرضي القارئ الأنثى عملية مليئة بالمخاطر ، فالكاتب معرض لفقدان مكانته الاجتماعية و معرض للنقد اللاذع . كما أنها تتطلب منا أن نتذكر دائماً الأركان الرئيسية لذلك النوع الأدبى فالقصة تحمل طابع الإبداع الغربي و الخاص بقبولها للنظام المغلق ، فالعقلية الأوربية التي نشأت بين الجبال مثلما أنتجت موسيقي محصورة بين خطوط النوتة الموسيقية كان يجب أن تنتج قصة محصورة بين جبال ضخمة تمثل أركانها .
و طوال التاريخ كان طموح و محاولات كل الكتاب هو توسيع الحيز الذى يحتله الوادى المحصور بين جبال القصة أو جعله أكثر خضرة و متعة لكن نحن على العكس من ذلك نسعى للفتح و لتحويل تلك الجبال إلى صحراء شاسعة نقدمها عارية للقارئ ليبحث لنفسه عن جنته و ذاته الخاص .
و للوصول لتلك النتيجة فأعتقد أن المنهج لذلك يجب أن يكون النقد الذاتى القاسي و السخرية الجارحة من اللغة و قدسيتها ، و اللاتماسك و الخيال في خدمة العدم.
يجب أن نكتب جملة تسبب القلق و لا تقدم نفسها للقارئ كعاهرة رخيصة ، يجب أن تشعر الكلمة القارئ بمدى جهلة و تفاهته لا أن تشعره بمجرد قراءتها أنه قد علم كل الأسرار و قد بلغ الحكمة . يجب أن نخلق أدب جديد خالى من الأفيون... أدب لا يقدم الراحة للقارئ بل يقدم له القلق و يشرخ له سلامه الروحى و يجرحه في مشاعره.

---------------------------------------------
الهوامش:
*لعبة الحجلة : رواية للكاتب الأرجنتينى خوليو كورتاثار
**عوليس: رواية للكاتب الايرلندى جيمس جويس
***اعترافات منتصف الليل : رواية للكاتب الفرنسي جورج ديهامل


tabeeb666- 12-12-2005
..

Free Forum Hosting by Forumer.comTM!